اهمية العمل التجسسي للعدو الإسرائيلي!

رنا علوان
إن ظاهرة الجاسوسية قديمةٌ قدم التاريخ وهي من أعمال الأجهزة الأمنيَّة التابعة للدولة ، وتهدف إلى الحصول على المعلومات التي تحتاجها لبناء سياساتها وتقوية نفوذها بين باقي الدول
في الماضي كان التجسس يُعتبر عملاً مشينًا وملاصقًا للخيانة ، وكان من خلال النظرة الإجتماعيَّة أيضًا نشاطًا غامضًا ومنبوذًا ، كما كانت الدول تُنكر إستخدامها له وتتَّهم به أعداءها
أمّا اليوم ، فقد تبدَّلت نظرة الناس تجاهه ، فالدول لا تُعلن عن عمليات التجسُّس حتى لا يُضر هذا الإعلان بمصالحها، لكنها تمنح جواسيسها أوسمة وتلقبِّهم بالأبطال مثل تكريم العدو الإسرائيلي [لشولا كوهين]
وتسمح لهم بنشر مذكّراتهم ، كالسماح للجاسوس [فيكتور أوستروفسكي] ، وتفاخر بإنتصاراتهم ، وتتستَّر على فشلهم
والعمل التجسسي لا يقتصر على السياسة والدبلوماسية والمجال العسكري أو الأمني ، بل يتعداه ليطاول جميع المجالات ومنها العلوم، الإقتصاد، الصناعة والتكنولوجيا
نستخلص أن الجاسوسية تكتسب الأهميَّة في زمن السلم كما في زمن الحرب مع تبدُّل أولوياتها ، كما أن نطاقها يطال الدول الصديقة أو الحليفة مثلما يطال الدول العدوة
اما إستخبارات العدو الإسرائيلي فتتميز نشأتها [ بأنها سبقت نشوء الكيان الإسرائيلي] وهي ترجع إلى انعقاد أول مؤتمر للحركة الصهيونيَّة[ في بازل في العام 1897 ]حيث وضع الأُسُس والمخطَّطات والسياسات التي ينبغي عليها اتِّباعها للوصول إلى أهدافها
وفي العام 1914، تمَّ إنشاء منظمة سريَّة إسمها [يلي] إتَّخذت منطقة [عتليت] مقرًا لها، وكانت مهمتها الأساسيَّة مساعدة بريطانيا في الإستيلاء على ممتلكات الدولة العثمانيَّة في أثناء الحرب العالميَّة الأولى، وجمع المعلومات عن القوات التركيَّة والألمانيَّة، وقد نجحت هذه الجماعة في نقل المعلومات التي تمثَّلت في سرقة أسرار غـاز “الخردل” وبعض الأسلحة الألمانيَّة الحديثة ونقلها إلى بريطانيا
ولقد حرِصت الحركة الصهيونيَّة منذ قيامها على تنفيذ العمليات السريَّة لتحقيق أهدافها في احتلال الأراضي الفلسطينيَّة
فأُنشأت منظَّمة سريَّة في العام 1904 أُطلق عليها إسم “بيلو”، وكان هدفها التأثير على السلطات العثمانيَّة للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين
لكن السلطان عبد الحميد الثاني وقف موقفًا صلبًا إزاء الهجرة اليهوديَّة ممّا دفع بهذه المنظمة إلى المساهمة بإسقاطه وإيصال زعماء حزب «تركيا الفتاة» إلى الحكم ، والذين فتحوا باب هجرة اليهود إلى فلسطين على مصراعيه
ومع إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب تمَّ تأسيس مجموعة الإستخبارات الإسرائيلية ، وقد تألفت من الأجهزة الآتية
- وكالة شين بيت “Shin Bet”
- الإستخبارات العسكريَّة أمان “Aman”
- إدارة الإستخبارات الخارجيَّة
- مجمَّع الهجرة
يعتبر جهـاز الإستخبارات العسكريَّة “أمان”، الجهاز المُسيطر على الأنشطة الإستخباراتية العسكرية الإسرائيلية الداخلية والخارجية ، سُمِّي عند تأسيسه “إدارة إستخبارات الجيش”، ثم عُرف لاحقًا بإسم “أمان” أي الأمن ، وقد كُلِّف بمهماتٍ عديدةٍ منها جمع المعلومات عن الجيوش العربيَّة ، الرقابة على الصحف الإسرائيليَّة ، ضمان الأمن داخل الجيش الإسرائيلي ومكافحة الجاسوسيَّة ، تزويد وزارة الدفاع المعلومات حول القوات العسكريَّة العربيَّة وقياداتها ، والوحدات القتاليَّة ودراسة إمكاناتها وأهدافها
في العام 1951، عمدت حكومة العدو الإسرائيليَّة إلى إعادة تنظيم البُنية الأساسيَّة لأجهزة الإستخبارات والأمن الإسرائيليَّة تنظيمًا شاملاً، فتكوَّنت لجنة مديري الأجهزة “أفعادات”، التي عَمِلت على تنظيم الأجهزة وخدماتها وفق المهمات والمسؤوليات من خلال دمج مخابرات البحريَّة، مخابرات الطيران وجهاز الأمن في جهاز الإستخبارات العسكريَّة، أما جهاز الإستخبارات السياسيَّة فقد جُعل مستقلاً عن وزارة الخارجيَّة وأُعيد تنظيمه كجهاز للمخابرات السريَّة والذي عُرف لاحقًا بجهاز الموساد
أمَّا جهاز مكافحة الجاسوسيَّة والأمن الداخلي “الشين بيت” ويعرف أيضًا بإسم “الشاباك”، فهو إختصار للإسم الكامل بالعبريَّة الذي يعني “إدارة الأمن العام”، وكانت مهمته تعقُّب أعداء الدولة العبريَّة داخل إسرائيل، فهذا الجهاز مسؤول عن جمع المعلومات حول أجهزة الإستخبارات الأجنبيَّة الصديقة والمعادية ونشاطها
يُعتبر جهاز الموساد من أجهزة الإستخبارات القليلة في العالم التي تعتمد في انتشارها على دعم مجموعات المتطوّعين، حيث يُمثِّل اليهود المنتشرون في أنحاء العالم عنصرًا مهمًا في تنفيذ الخطط والبرامج والإختراق الأمني
يُعرف عن جهاز الموساد إهتمامه بالدعاية الإعلاميَّة لأعماله في محاولة لإبرازه على المستويين الداخلي والخارجي، ولإيهام الإسرائليين بأنهم يملكون جهازًا قويًا من خلال إلقاء الضوء على إنجازاته
يتميَّز جهازا الموساد والشاباك في المجال البشري ، أي تجنيد العملاء وإجراء التحقيقات مع الجواسيس ، والعمليات الوقائيَّة والتنفيذيَّة الخاصة بهما
في حين أن الموساد يتَّسم بديناميكيَّة خاصة في ما يتعلق بالعمليات السريَّة خارج البلاد، فإن الشاباك يتميَّز بهذه الديناميكيَّة في العمليات داخل الأراضي التي تُسيطر عليها إسرائيل
أمَّا جهاز “أمان” فيُعدّ أكبر جهاز إستخباراتي إسرائيلي من بين جميع الأجهزة الأخرى في ما يتعلَّق بالهيكل التنظيمي والإداري لأجهزة الإستخبارات الإسرائيليَّة، كما أنه الأبرز بين بقيَّة الأجهزة في مجالات التنصُّت، التصوير الجوي، والمهمات الخاصة
بعدحرب تموز/يوليو 2006 ، كان واضحًا أن العدو الإسرائيلي لن يسكت عن هزيمته فيها ، وقبلها (اندحاره عن الجزء الأكبر من الأراضي اللبنانيَّة المحتلَّة في أيار/مايو 2000) ، لذلك جاء تركيزه على تجنيد العملاء ومحاولة اختراق الساحة اللبنانيَّة وزرع الفتنة بين اللبنانيين ، بهدف تحويل هزيمته إلى إنتصار
وممَّا لا شك فيه أن المناخ السياسي غير المستقرّ الذي عرفه لبنان في تلك الحقبة ، شكّل بيئة مؤاتية أمام العدو للنفاذ إلى الداخل
إلاّ أنّ حال انعدام الاستقرار هذا يصبح عديم الجدوى ما لم يتوافر له بعض ضعاف النفوس الذين يتم تجنيدهم تحت تأثير الإغراءات الماديَّة أو الجنسيَّة ، مما يؤدّي إلى إقامة علاقات مشبوهة ، يهدِّدهم العدو بعدها بفضح أمرهم في حال عدم تعاونهم
اما اهم الاخفاقات التي مُني بها العدو في هذا المجال كانت
توقيف السلطات المصريَّة شبكة كاملة من الجواسيس العام 1954 في ما عُرف بفضيحة “لافون”، فقد قام 13 مصريًا يهوديًا بوضع متفجّرات في منشآت أميركية وبريطانية في القاهرة والإسكندرية بهدف توتير العلاقات بين مصر والدولتين وإضعاف نظام الحكم الثوروي في مصر، وإظهار افتقاره إلى الإستقرار أمام العالم، وقد أدَّى هذا الفشل إلى استقالة موشيه دوشاريت من رئاسة الوزراء ووزير الدفاع بنحاس لافون ورئيس الإستخبارات بنيامين غبلي
إكتشاف العميل «إيلي كوهين» الذي يُعدّ أحد أشهر الجواسيس في تاريخ إسرائيل على الإطلاق حيث تمَّ تجنيده من قبل الموساد وزرعه داخل قيادات الحكومة السوريَّة خلال العام 1960 وتمكَّن من تزويد إسرائيل معلومات في غاية الأهميَّة، وذلك قبل القبض عليه وإعدامه علنيًا في دمشق العام 1966
عدم التمكُّن من كشف النوايا المصريَّة والسوريَّة خلال الإعداد لحرب تشرين في العام 1973
فضيحة العميل جوناثان بولارد الذي التحق بخدمة الإستخبارات البحريَّة الأميركيَّة في العام 1979، حيث عمل محلّلاً إستخباراتيًا مدنيًا، وتدرَّج في عمله حتى أصبح له حقّ الإطلاع على العديد من المعلومات الحسَّاسة، ثم تمَّ تجنيده لصالح الإستخبارات الإسرائيليَّة، واستطاع تزويدها كمًّا هائلاً من المعلومات الخاصة بإسرائيل والدول العربيَّة ودول أخرى، حُكم عليه في العام 1987 بالسجن المؤبَّد
وفى منتصف التسعينيات منحته الدولة العبريَّة الجنسيَّة الإسرائيلية فى نطاق ضغوطها على السلطات الأميركية لإطلاق سراحه، لكن محاولاتها لم تنجح على الرغم من تعهُّدها أمام الولايات المتحدة ودول أخرى، بألا تستخدم اليهود فيها لمهمات تجسُّس أو لخدمة أي جهاز مخابرات إسرائيلي، لأن مثل هذا الإستخدام سيُلحق الضرر الكبير بالمواطنين اليهود في تلك الدول
في تموز/يوليو العام 2004، حاول جهاز الموساد الحصول على جوازات نيوزيلانديَّة لاستخدامها في تنفيذ عمليات إغتيال ضدّ عدد من قادة حزب الله والتنظيمات الفلسطينيَّة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن المحاولة فشلت وأُلقي القبض على عنصرين من الموساد، حكم عليهما بالسجن لمدة ستّة أشهر، وقد طالبت السلطات الدولة العبريَّة بالإعتذار، إلا أن هذه الأخيرة خشيت من أن الإقدام على خطوة كهذه سيثير القضاء فى نيوزيلاندا، فيعيد محاكمة الجواسيس ويضاعف عقوباتهم، لذلك إختارت الصمت، واتهمت نيوزيلاندا، حكومة إسرائيل بالعودة إلى سياسة إستخدام يهود العالم لخدمة جهاز الموساد
نجاح أجهزة الإستخبارات اللبنانيَّة في كشف عدد كبير من شبكات التجسُّس التي نفّذت مهمات تخريب من خلال تزويد الموساد المعلومات بالإضافة إلى تنفيذ بعض الإغتيالات لصالحه، مثل شبكة العميل محمود رافع الذي نفّّذ عمليَّة إغتيال الأخوين مجذوب
إخفاق الموساد في 25 أيلول/سبتمبر 1997 في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في العاصمة الأردنيَّة عمان، عندما حاول عميلان للموساد حقنه بمادة سامَّة، إلا أن العمليَّة فشلت وألقي القبض على العميلين، ولم يوافق العاهل الأردني آنذاك الملك حسين بن طلال على تسليم عميلي الموساد إلا بعد تقديم إعتذار رسمي من إسرائيل عن الحادثة وإحضار الترياق المضاد للسمّ لإنقاذ مشعل، وأدَّت هذه الحادثة إلى إستقالة رئيس جهاز الموساد داني ياتون
إخفاق المخابرات الإسرائيلية في معرفة مدى قدرة حزب الله على المواجهة والذي كان من الأسباب الرئيسة في إخفاق الجيش الإسرائيلي وخسارته في حرب تموز/يوليو 2006
إرتكبت الإستخبارات الإسرائيليَّة سلسلة من التقديرات الخاطئة، وعلى الرغم من أن الكشف عن هذه الإخفاقات يمسّ صورتها التقليديَّة، يرى قادتها وجوب التقدّم نحو تحسين الأداء، وعدم ارتكاب أخطاء مصيريَّة، على الرغم من أن من يعترف بأخطائه من العاملين في عالم الإستخبارات أِقليَّة، فالحقيقة أن الأجهزة الأمنيَّة الإسرائيلية، قد أصابها الكثير من مظاهر الفساد والترهُّل مع مرور الوقت، وبسبب كونها أجهزة تجسُّسيَّة سريَّة تعمل بعيدًا من الأضواء وخارج أُطُر الرقابة القانونيَّة والقضائية، من هنا الدعوات المتكرّرة، ولاسيَّما بعد كل فضيحة كبرى أو فشل ذريع تتعرَّض له، إلى ضرورة إجراء إصلاحات داخليَّة، وإعادة تنظيم جذريَّة لأقسامها وهياكلها وحتى مهماتها ووظائفها
ختامًا ، تنبع فلسفة الإستخبارات الإسرائيليَّة من طبيعة المجتمع الإسرائيلي حيث أن السمة الغالبة لهذا المجتمع هي التنافر وعدم الانسجام نتيجة لتعدُّد الجنسيات واختلاف البيئات التي قدِم منها اليهود للإستيطان في فلسطين ، فقد نقلت جماعات المهاجرين عاداتها وتقاليدها وطرق معيشتها المتباينة إلى إسرائيل ، ويتَّضح ذلك التنافر في التفرقة العنصريَّة السائدة داخل الكيان الإسرائيلي بين طوائف الإشكنازيم والسفاراديم واليهود السود (الفلاشا) وغيرهم، وتتأكَّد هذه الخلافات أيضًا داخل المجتمع الإسرائيلي حيث ينقسم إلى جناحين رئيسين ، الأول ديني والثاني علماني ، الأمر الذي ترك بصمات إجتماعيَّة سلبيَّة على مُجمل الحياة داخل إسرائيل ، وفي ضوء هذا الواقع تعمل القيادة الإسرائيليَّة على صهر المجتمع الإسرائيلي في بوتقة واحدة في محاولة منها لخلق مجتمع متجانس له طابعه وسماته المشتركة
2023-09-28