انتخابات مجالس المحافظات .. مسؤولية وطنية قبل ان تكون مناطقية!
محمد صالح صدقيان
يواجه العراق في الثامن عشر من كانون الاول / ديسمبر الجاري استحقاق وطني مهم حيث يتوجه المواطنون لصناديق الاقتراع لانتخاب اعضاء مجالس المحافظات التي اكد عليها الدستور باعتبارها خطوة نحو ادارة افضل للمحافظات والمدن العراقية .
وتعد مجالس المحافظات بمثابة السلطة التشريعية والرقابية في كل محافظة، بما لها الحق في إصدار التشريعات المحلية التي يمكنها من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية، دون أن يتعارض ذلك مع الدستور والقوانين الاتحادية التي تندرج ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات. كما ان للمجالس الحق في رسم السياسة العامة لكل محافظة تابعة لها وتحديد أولوياتها في المجالات كافة، بالتنسيق المتبادل مع الوزارات والجهات المعنية. وفي حالة الخلاف تكون الأولوية لقرار مجلس المحافظة.
وتملك هذه المجالس صلاحيات رقابية على جميع أنشطة دوائر الدولة في المحافظة، لـ”ضمان حسن أداء عملها”، باستثناء المحاكم والوحدات العسكرية والكليات والمعاهد والدوائر التابعة للحكومة الاتحادية.
مثل هذه المسؤوليات والصلاحيات الواسعة التي منحها المشرع لمجالس المحافظات تجعل هذه المجالس مهمة ومفصلية في بناء المدن والرقي بجوانبها العمرانية والحياتية والاجتماعية والخدمية لمواجهة متطلبات الحياة اليومية واحتياجات المواطنيين .
وخلال العقود الماضية لم تتوفر الفرص السياسية والامنية والاقتصادية اللازمة لبناء المدن العراقية واقضيتها وريفها لاسباب تتعلق بالظروف السياسية والامنية . وفي عهد النظام السياسي الجديد بعد العام 2003 وقفت الاحداث والتطورات التي شهدها العراق حائلا دون تمكن المحافظات ومجالسها المحلية من تقديم اداء يخدم الية بنائها ورقيها .
الان وبعد كل تلك الاخفاقات ؛ تتوفر امام العراقيين فرصة لانتخاب اعضاء مجالس المحافظات المحلية وهي مسؤولية وطنية قبل ان تكون مسؤولية تخص هذه المحافظة بعينها او تلك .
وبعيد عن المناكفات السياسية ؛ تقع امام الناخب العراقي مسؤولية كبيرة في اختيار “الاصلح” و”الاحسن” و”الافضل” لبناء المدن العراقية . لقد توفرت خلال العقدين الاخرين الكثير من الخبرة عند الناخب لاختيار وتمحيص الشخصيات المرشحة لادارة وبناء المدن والمحافظات خصوصا وان هذه الشخصيات هي من ابناء هذه المدن ومعروفة بمستوی نزاهتها واخلاصها ومثابرتها ؛ ويمكن للناخب ان يختار من يستطيع ان يساهم في بناء المحافظات .
ان العزوف عن المشاركة في الانتخابات حالة مرضية غير صحية ولاتعبر عن روح المسؤولية مهما كانت الظروف والمعوقات . يجب ان يشارك المواطن في انتخاب “الافضل” كما يجب عليه تحمل مسؤولية اختياره . وفي نهاية المطاف فان هذه المشاركة تساهم ليس ببناء هذه المدن والقری والارياف وانما هي محصلة للاستفادة من الامكانات والموازنات المالية المخصصة لهذه المدن من اجل الرقي بها الی مدن تخدم المواطنين وتخدم احتياجاتهم الحياتية والخدمية والصحية والاجتماعية والعمرانية .
ان العزوف عن المشاركة في هذه الانتخابات التي تاتي في زمن يعيش فيه العراق حالة من الهدوء والاستقرار هو في حقيقة الامر عزوف عن المشاركة في بناء البلد . ربما يمتلك البعض اسباب لهذا العزوف يختزنها من تجارب سابقة لكنه لايستطيع ان يبرء نفسه من الالتزام بمسؤوليته الوطنية بعدم المشاركة بالانتخابات . امام الناخب عديد المرشحين فمنهم من ترشح ضمن قائمة انتخابية حزبية او قومية او مناطقية او قبائلية او بشكل شخصي ؛ وبعض هذه القوائم او الشخصيات المرشحة تمتلك برامج للبناء والعمران ؛ وبالتالي فهي تضع الناخب امام المزيد من الخيارات لانتخاب “الافضل” و”الاصلح” من بين جميع المرشحين لتحمل مسؤولية ادارة وبناء المدن والاقضية والارياف . ان امكانات العراق المالية والبشرية تستطيع ان تنهض بالريف العراقي وتنقذه من المأساة التي يعيشها وتجعله ريفا متمدنا في عمرانه وخدماته .
اهمية هذه الانتخابات تنسحب علی صلاحية المجالس المحلية في انتخاب المحافظين ورؤساء الاقضية والمدن الذين تقع علی عاتقهم انتخاب الاجهزة التنفيذية لبناء المحافظات . ومن هنا تاتي اهمية انتخاب اعضاء المجالس بالشكل الذي يستطيعون انتخاب “المحافظ” الذي يستطيع تنفيذ البرامج التي تناقشها هذه المجالس وفقا للموازنة المخصصة لهم والبحث عن فرص الاستثمار الناجعة لبناء المدن والمحافظات .
وفي هذا المجال فان بعض المدن العراقية كانت ولازالت منارا لملايين البشر من داخل وخارج العراق كمحافظة كربلاء المقدسة ومحافظة النجف الاشرف ؛ فيما تحتضن محافظات ومدن اخری مقامات دينية ؛ واثارا تاريخية ؛ واماكن تراثية ودينية تخص الديانات غير الاسلامية . مثل هذا التنوع تجعل مسؤولية الانتخاب والمشاركة والترشح مضاعفة من اجل استغلال كل هذه الاماكن والمدن لتعطي الوجه الحضاري والعمراني الذي يتناسب مع هذه المكانة الدينية والتاريخية التي حظيت بها مدن العراق المختلفة ومن شماله الی اقصی الجنوب .
وهناك حقيقة يجب ان تكون محط انظار الجميع وهي “ان الله لايغير ما بقوم حتی يغيروا ما بانفسهم” وهذا يعني عدم انتظار الكربلائيين شخصا ياتي لهم لبناء محافظتم ؛ كما لايجب علی اهل الديوانية ان ينتظروا ذلك . ربما تاتي شركة خارجية لتخطط وتبني وهذا طبيعي جدا لكن يجب ان يتم انتخاب الافضل والاصلح الذي يستطيع ان يختار من يستطيع ان ينفذ ذلك وان تكون لديه الخبرة العلمية والعمرانية والنزاهة لاستقدام من يبني المدينة ويرفع من مستوی خدماتها.
هذه المهام لايمكن لها ان تتحقق من خلال العزوف من التوجه لصناديق الانتخابات او اتخاذ موقف المتفرج . المسؤولية الوطنية تحتم علی الجميع المشاركة من اجل انتخاب “الافضل” و”الاصلح” و”الاحسن” كما انها المسؤولية في مساهمة الجميع للحفاظ علی نزاهة الانتخابات وسلامتها .
U2saleh@gmail.com
14.12.2023