الى أين تتجه الأمور في العراق!
ابو زيزوم.
الحاكم وهو يلتقي الناس ويحاورهم يبدو إنسانا طبيعيا يرى ما يرون ويحس ما يحسون . وتلك نظرة مغلوطة خصوصاً عندما يتعلق الامر بحكام مستبدين أمضوا زمنا طويلا في الحكم او ورثوه عن آبائهم . كشخصين يضع أحدهما نظارة ثلاثية الأبعاد والآخر بدون نظارة . للوهلة الاولى لا يبدو بينهما فرق في التعامل مع المشاهد أمامهما ، والحقيقة انهما يريان الأشياء بطريقتين متباينتين . فللحاكم المستبد سايكولوجية مختلفة عن البشر العاديين ، وكثيراً ما تفوته أشياء مهمة رغم وضوحها .
في هذا السياق نصنف الساسة العراقيين مع انهم لم يرثوا السلطة ولم يستقروا في منصب معين طويلا . لأن كثافة الظرف المشحون دائما أوصلتهم في زمن قصير الى الاقتناع بأن وجودهم في الحكم قدر ابدي ، فانفصلوا عن الواقع رغم كل ما يظهر في أحاديثهم من تفهم لمجريات الأحداث . مثل مصلٍ ينسى بعد كل ركعة عدد الركعات التي أداها . انت تراه ملتزما لا يختلف عن غيره من المتدينين ، والحقيقة انه في واد والدين في واد آخر .
الذين جاؤوا من الخارج ليحكموا العراق دون المرور بحالة المواطن البسيط ولو ليوم واحد يصعب عليهم رؤية الأمور كما هي . ثم جاء الثراء الفاحش الذي حققوه بسرعة البرق ليبعدهم أكثر عن الرؤية الموضوعية وتحسس أوجاع الناس . لقد فصّلوا نظاما للحكم على قياسهم مزوداً بمصدات قانونية تدرأ عنهم ( الغرباء ) . وتوهموا ان الشعارات الطائفية وحدها تسد الفقراء عن اللقمة وقرص الدواء . فشطبوا ما يسمى ( الشعب ) من معادلة الحكم التي تتم عبر توافق إيراني أمريكي على الأساسيات وللسياسيين العراقيين المناصب والمغانم في حدود ذلك التوافق الخارجي . اما المظاهرات فجزء من الروتين اليومي يتم احتواؤها بالوعود الكواذب او يضحّى لها بأحد الوزراء الزائدين عن اللزوم . وفي الأغلب تتدخل بعض اجنحة النظام السياسي لقيادة المظاهرات وتوجيهها نحو الاضمحلال . هذا هو الوضع الذي بدا للحكام المنفصلين عن الواقع انه أبدي ومضمون . لم يدخل في حساباتهم ان هذا الشعب المظلوم قد ينهض يوما بمعزل عن ارادتهم وحساباتهم فيقلب مخططاتهم رأساً على عقب !. لو دخل هذا الاحتمال في حساباتهم لإحتاطوا له . والواضح من ارتباكهم وتخبطهم انهم لم يتحسبوا لهذه الانتفاضة وأنها فاجأتهم .
بعد الانتخابات الاخيرة رجحت الكفة في العراق لصالح ايران على حساب الولايات المتحدة بصورة ملحوظة . وعانى الامريكان من بوادر هزيمة اخرى تلحقها ايران بنفوذهم في هذا البلد . وتضاءلت أدوات عملهم بعدما خرج العراق منتصرا في حربه على الارهاب . فأي ضغط أمريكي عليه سيدفعه نحو روسيا الجاهزة لإستعادة مناطق نفوذها القديمة في الشرق الأوسط . لذا تعامل الامريكان مع العراق بعد داعش بمنتهى الحذر الى ان جاءتهم هذه المظاهرات على طبق من ذهب .
لزمت الولايات المتحدة الصمت بعد اندلاع المظاهرات ، لأنها ستستفيد منها فلا موجب للتشويش عليها بالضجيج السياسي غير المبرر . كانت تتكلم كثيرا عن مظاهرات لبنان ومظاهرات ايران . وتصمت حيال العراق وتقول كلاما متوازنا فيه دعم للحكومة . وطبعا تنشط على مستوى الاعلام والمخابرات والدبلوماسية بوتائر عالية .
أما الساسة المرتبطون بإيران والمتحالفون معها فأصيبوا بالعجز منذ الأيام الاولى . لم يجرؤوا على التصدي للمظاهرات بالأسلوب السافر لعدم ثقتهم بالنتيجة . ولم يجرؤوا على تقديم تنازلات جدية ترضي الجمهور الساخط لأن مسلسل التنازلات اذا بدأ لن يتوقف حتى الإطاحة بجميع الفاسدين وكلهم فاسدون . وكلما مر يوم أصبح وضعهم أسوأ ، إذ تبيّن ان عامل الوقت يخدم الانتفاضة التي بدأت تتبلور وتتجذر وتتحول الى ثورة .
بإستقالة الحكومة إكتسبت الثورة زخماً جديداً وازداد الحكام ضعفاً وارتباكاً ، وشيئا فشيئا راح الامريكان يصعدون من لهجتهم لإدراكهم ان الساسة العراقيين يقتربون من حالة الشلل التي تمنعهم من الرد المؤثر على المواقف الامريكية المستفزة . فجاءت العقوبات على بعض المسؤولين كمقدمة لخطوات ضغط اخرى . وسيكون الشعب العراقي هو الرابح من تصارع طرفين لم نجنِ من توافقاتها خيراً . وسيحقق الأكراد مكاسب كما اعتادوا ان يستفيدوا من مثل هذه الظروف .
( ابو زيزوم _ 748 )
2019-12-08