الوعي الفكري ونقد الموروث3): النخبة الأفريقية والتسوية الجبانة مع الغرب!
أو قراءة في فكر الخنوع السائد
إدريس آيات*
وحتى تصبح نشوة الإعلانات معيار السعادة البشرية ونموذج الحرية؛ وعندئذٍ تنتج برمجة العقول هذا؛ التكامل بذاتها بحيث يكون الخوف الوحيد (الذي يجب الحفاظ عليه، من قبل الفرد) هو الإقصاء عن النظام وفقدان القدرة على الوصول إلى الشروط اللازمة للسعادة (التي خلقناها).
ومن الضروري أن يُعامل الفرد من عامة الناس من نِتاج هذا المنهج؛ معاملة العِجْل، ووجوب المراقبة عليه، على غرار مراقبة القطيع، وإبراز كلُّ ما يمكن طمس بصيرته كأمرٍ جيدٍ له اجتماعيًا.
وبالمقابل, يجب أن نتعرض للسخرية والاختناق والمكافحة لكل ما من شأنه أن يهدد بإيقاظ (وعيه من سباته العميق). ويجب بالمقام الأول تصنيف أي عقيدة تشكك في النظام ( الذي صنعناه) على أنها عقيدةٌ تخريبية وإرهابية، مع وجوب التعامل مع من يدعمها بنفس المنظار. ومع ذلك، نلاحظ أنه من السهل جدًا رشوة شخص مُخرَّبٌ: كل ما عليك فعله هو توفير المال والسلطة له”- انتهى الاقتباس هنا.
من كتاب ” تقادم الجنس البشري” ص ( 122).
بعد النصّ أعلاه أنا عظيم الاعتقاد أنكم أدركتم كيف قتل الغربي روح التمرد والثورة في المثقف والنخبة الحاكمة سواء، فوقعوا اتفاقياتٍ مجحفة في حق دُولهم دون أن يسبب لهم ذلك إزعاجًا في الضمير، هذا حال الحكّام، أما المثقف فصار يرضى بترديد ما يريده السيدي مخافة أن يحرم حضور ندواته في باريس أو لندن، أو يُمنع دخول أمريكا، فخان أمته.
والآن؛ مالدرس للقارة الأفريقية وما استراتيجية المقاومة؟
لا يمكن أن نحارب نظاما أو مؤسسة عملت لتحطيمنا لعقود من الزمن, دون أن نعرف خيوط اللعبة أفخاخ العدو, سبله في السيطرة على وعينا, وبما هندس تفكيرنا, و طرق استبداده لنا.
كتب الأديب والمفكر اللبناني، ميخائيل نعيمة (1889-1988) ، بصدده ذات مرة،-” قبل أن تفكروا بالتخلّص من حاكمٍ مستبدٍ، تخلصّوا مما يستبدّ بكم من عادات سيئة، وتقاليد سوداء”.
في مواجهة استراتيجيات التسلط التي تهدف إلى هيمنة القوى الكبرى على شعوب العالم الثالث، يبرز مبدأ “lex parsimoniae” كحل فعّال. هذا المفهوم اللاتيني، الذي يدعو إلى البساطة في التفكير، يشير إلى أن الحلول البسيطة غالباً ما تكون الأكثر فعالية عند التعامل مع التحديات المعقدة.
التحدي الأكبر الذي يواجهه العالم الثالث هو ثقافة التغريب التي تهدف إلى محو الهويات الأصيلة. ولكن الحل يكمن في العودة إلى الجذور الذاتية من حيث الفكر والثقافة والقيم. مثال رائع على هذا النهج هو مسار الهند نحو الاستقلال. قبل حصولها على الاستقلال في 15 أغسطس 1947، قامت مجموعة من المثقفين الهنود في عام 1931 بتأسيس مؤسسة بوليوود للأفلام كخطوة أولى نحو تحقيق الاستقلال الثقافي. ركزت بوليوود على تعزيز الثقافة الهندية التقليدية وانتقاد الانجراف نحو الثقافة الغربية.
في الوقت الحاضر، تتجلى نتائج هذه العودة إلى الأصالة في تفوق الهند على بريطانيا، مستعمرها السابق، في عدة مجالات:
– اقتصادياً: الاقتصاد الهندي يبلغ 2940 مليار دولار مقارنة بـ 2800 مليار دولار للبريطاني.
– ثقافياً: تنتج بوليوود أفلاماً تتميز بطابعها الثقافي الأصيل بمعدل يفوق خمسة أضعاف الإنتاج البريطاني.
– تكنولوجياً: الهند تحتل المرتبة الـ15 عالمياً في مجال التكنولوجيا الرقمية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الـ18.
هذا التفوق اللافت يعكس أهمية العودة إلى الهوية والأصالة كركيزة أساسية للتقدم والاستقلال.
يُظهر النمط الصيني أيضًا مثالاً بارزاً لمقاومة التغريب، مع سنوات طويلة من نزاعات حرب الأفيون، وكذلك الحال بالنسبة لكوريا وتركيا. في تركيا مثلاً، لم يتفتح فنهم وينتشر على نطاق واسع إلا بعد عودتها لاحتضان تقاليدها وفخرها بتراثها الوطني، وذلك في مواجهة محاولات أوروبا المستمرة لسلب هويتها وغلبة النفوذ الأوروبي فيها.
تعتريني حالة من الاستياء الشديد عندما أرى الفن الأفريقي يسعى لغزو العالم من خلال صناعة السينما في نوليوود بنيجيريا، حيث يتم تقديم الثقافة الأفريقية باللغة الإنجليزية، وبقيم غربية، وأزياء أوروبية، ونمط تفكير يحاكي الغرب، ما يدفع للتساؤل كيف سيأخذنا العالم الآخر على محمل الجد.
بوصفنا أفارقة، يهدف منافسونا إلى تغريبنا، محاولين زرع وعي فينا يتوافق مع توقعاتهم.
يكمن الحل في العودة إلى الأصول والاعتزاز بالهوية الثقافية والاجتماعية وقيمنا المثلى. هذه الاستراتيجية المضادة، رغم بساطتها، تعد من التحديات الكبرى، خصوصًا في عالم يشهد محاولات من قبل شركات مثل نتفليكس لنشر محتوى يكرس قيمهم.
المفتاح يكمن في صمود المثقفين (Intellectuals Resilience) من خلال الدفاع الموحد عن الذات الأفريقية والهوية المشتركة. لا ينبغي أن ننتظر الأجيال القادمة؛ فالحقيقة هي أننا نحن الجيل الذي كنا ننتظره. لذا، اقرأ كثيرًا، وتثقف بغزارة!
إدريس آيات- جامعة الكويت
مقال تم نشره لأول مرة
(03/10/2020)
https://x.com/AyatIdrissa/status/1740072899946467412?s=20
2023-12-27