مضامين المفهوم المتميز للثورة في اللغة العربية وواقعها!
جمال الطاهات
الثورات من حيث هي تصحيح لواقع مختل، تكتسب هويتها مما تناضل ضده، ومن الحل أو الحلول التي تقدمها لتجاوز الواقع المرفوض. في اللغة اللاتينية كلمة الثورة (Revolutio) مرتبطة بالفعل (Revolver) والدوران أو العودة إلى أصل غاب وانقضى، وهي متعلقة بمعرفة ارتبطت بعلم الفلك ودوران الاجرام السماوية. الثورة بمضمونها الفكري العربي مختلفة، وتعني مغادرة واقع ما والتحول إلى واقع جديد. وهي متعلقة بالفعل “ثار”، أي غادر ما كان عليه. فالثورة بالمضمون العربي، متعلقة بالانعتاق من الواقع نحو واقع جديد. وما يجمعها مع الجذر اللاتيني هو أنها مرحلة بين مرحلتين. فالثورة بكل بساطة مرحلة متكررة تتوسط منظومتين. واحدة مرفوضة، وأخرى مأمولة. وما لم يتم تعريف وتحديد ملامح المنظومة الجديدة، فإن الثورة في اللغة العربية تبدو ناقصة وعرجاء وليست أكثر من حالة هيجان.
الثورة قنطرة دائمة بين واقعين: واقع يتم تجاوزه باستمرار وواقع جديد نسعى له
من التجارب التاريخية العربية للعديد من الثورات المسروقة، ومن مضمون كلمة ثورة في الثقافة العربية من حيث هي تطور دائم نحو واقع جديد أسمى وأكثر تطوراً، يمكن التأكيد على أن المفهوم السياسي للثورة، أردنياً، وعربياً، أنها حركة تاريخية عضوية مستمرة، تكتمل وتصان بأركان ثلاثة: الأول تحديد واقع الاستبداد والفساد المرفوض والذي “يجب” الثورة عليه والتخلص منه، فالثورة بهذا المعنى واجب. والركن الثاني هو رسم ملامح الواقع البديل المأمول. أما الركن الثالث، فهو القنطرة التي تجمع الركنين ببناء متكامل وهي المسيرة الثورية. فالثورة بكل بساطة هي قنطرة بين واقعين: واقع مرفوض وواقع مأمول. ولكنها قنطرة دائمة وليست مؤقتة ما أن تنتصر حتى تسعى لتأبيد واقع جديد.
فالثورة ضمن مسيرة التقدم التي تسعى لها المجتمعات العربية، هي عملية مستمرة ودائمة، لا تتوقف ولا تنتهي، فلا يوجد واقع يستحق أن يستمر للأبد. وحدهم المستبدون الفاسدون في سوريا وحواشيهم التافهة من هتفوا من أجل واقع للأبد. فكانت النتيجة ثورة مدمرة. وبالرغم من كل ما رافق الثورة السورية من دم ودمار، وبغض النظر عن الشكوك المبررة حول النظام الجديد في سوريا، كانت تستحق أن تخاض من اجل التخلص من واقع سعى مستبد فاسد تافه لتأبيده، مما جعل كلفة تغييره اعلى بكثير من كلفة الاستسلام له. فأي محاولة لإعلان انتهاء الثورة من حيث هي حركة مستمرة للربط بين واقعين، تصبح بكل بساطة محاولة لتأبيد واقع يجب التخلص منه مهما ارتفعت الأثمان.
اكتمال عناصر الثورة ضرورة لحمايتها حتى لا تسرق
وخطورة الثورة الناقصة أنها تتآمر على الجماهير وتتركهم غنيمة محتملة للخونة والمتآمرين. أحد أبرز عيوب الثورة التي قادها وحضرت لها حركة النهوض العربي بعد مؤتمر باريس عام 1891، وكما عبر عنها عبد الرحمن الكواكبي في كتاب “طبائع الاستبداد”، انها ركزت على ركن واحد وهو التخلص من الحكم العثماني، ولكنها لم تتقدم بتصور دقيق للواقع البديل. وهذه الخطيئة أو النقص التاريخي هو ما جعل نتائج الثورة غير مكتملة، وحول جماهير الامة العربية إلى غنيمة للقوى المعادية وأدواتها من الخونة الذين سعوا لقطف ثمار الثورة.
فبعد أن قام فيصل بن الحسين (ومن خلال صديقه سعيد الجزائري، حفيد عبد القادر الجزائري الذي اختار سوريا منفى طوعي له) بتقديم طلب الانتساب إلى جمعية العربية الفتاة في بيت البكري في دمشق الذي استضافه لمدة شهر، وأدى قسم الولاء للجمعية في أوائل نيسان عام 1915، تابع مسيرته إلى إسطنبول. وحين تولى الحكم في دمشق كان اول مرسوم وقعه اعتقال سعيد الجزائري وشقيقه عبد القادر الجزائري الذي قاوم الاعتقال وتم قتله. وذلك في إطار التخلص من الزعماء التاريخين الذي يرفضون خذلان شعبهم. وهو فعل شائن كرره فيصل الأول بتصفية قادة ثورة 1920 المجيدة في العراق، بعد استيلائه بمساعدة الإنجليز على حكم العراق عام 1924.
مثل هذا النقص في فكرة الثورة ومشروعها تجنبته الثورة الأمريكية. فقدمت لمواطنيها الذين قاتلوا من أجل الاستقلال عن بريطانيا، دستور يضمن عملية التطور المستمرة. فلا زعيم للأبد. ولا قيادة أكبر من شعبها، ولا وصاية على قيم الشعب، ولا فرض للفضيلة بالقوة. فكانت أول دولة حديثة تبنى المفهوم العربي للثورة الدائمة وتنهي وصاية الإنسان على الإنسان بنص دستور مكتمل. ربما أبرز ما يعلق في الذهن هو ما قاله بنيامين فرانكلين عن القيمة العظيمة للإيمان في الإسلام، الذي يصون حرية الإنسان، ويحترم عظمة الله، برفض الوساطة بين الله وخلقه.
الثورة الأردنية المستمرة: من مؤتمر امكيس إلى ما بعد الجمهورية
بعد فشل كل محاولات إصلاح الخلل، والعمل على بناء قنطرة آمنة للمستقبل والواقع الجديد عبر تسويات ممكنة مع المستبد الفاسد وعائلته في الأردن، أصبح مشروع الجمهورية ضرورة. فمنذ قيام عبد الله الأول، بسرقة الدولة من الأردنيين بالتعاون من الاستعمار البريطاني عام 1924، وهناك محاولات مستمرة لاستعادة الدولة سلطة وموارد عبر التفاهم والبحث عن حلول وسط. كلها تم اجهاضها والتحايل عليها من قبل كل سلالة المستبد الفاسد وعائلته.
ولم يعد بالإمكان الحلم بمغادرة الواقع المرفوض الذي يحرم كل مكونات الشعب من تحقيق طموحاته، نحو واقع جديد، إلا عبر مشروع ثوري يخلص الشعب الأردني من العائق الذي يريد تأبيد الواقع الراهن. ولكن لا تكتمل الثورة بإسقاط المستبد الفاسد والتخلص من حكمه. فالثورة الناجحة يجب أن تضمن عدم سرقتها من جديد. فحتى لا تتكرر مأساة أجدادنا الذين أسسوا الدولة وسُرقت منهم، لا بد من أن يكون مشروع الثورة من أجل الجمهورية مكتمل، وقادر على تشكيل قنطرة دائمة تمكن شعبنا من تطوير واقعه عبر تراكم الخبرة والتجربة.
فمع كل انجاز يتحقق هناك طموح انساني لتحقيق إنجاز جديد. والقول بان هناك منجز أبدي ليس إلا مركبة للاستبداد والفساد. وحدهم المستبدون الفاسدون من هتفوا لتأبيد الواقع. والحركة الثورية الأردنية، مطالبة بان تبني واقع جديد اهم ملمح من ملامحه هو القدرة على التجدد والتطور السلمي والديمقراطي.
أخيراً
إن المنجز الأهم لحركة الجمهورية الأردنية هو أن تضمن ديمومة الثورة بالوسائل السلمية، وتلغي حاجة الشعب الأردني إلى حركة ثورية. وهذا يتطلب حماية قدرة الشعب الأردني على التطور المستمر بوسائل سلمية. وهذا يقتضي ان تكون الثورة من اجل بناء دولة الجمهورية الأردنية التي تصون استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة، كشرط مركزي لضمان بقاء الدولة الأردنية تعبير عن القيم العليا للشعب الأردني، وقادرة على خدمة كل مكوناته في ذات الوقت دون مساومة. إذ أن أبرز ملمح للنظام الاستبدادي الفاسد هو السعي لكسر إرادة شعبنا، وزعزعة ثقته بنفسه، لتسهيل انكارهم لحقوق الأردنيين، وتكريس الخضوع لمنطق “مكارمهم المدعاة”، ومساومة الأردنيين بين قيمهم وكبريائهم وحريتهم والحصول على حقوقهم الأساسية. فالثورة من اجل الجمهورية الأردنية، لا تنتهي مهمتها بتمكين الشعب الأردني من استرداد دولته فقط، بل عليها أن تضمن أن لا تسرق منهم دولتهم مرة أخرى. وهذا يقتضي أن تكون التجربة الثورية، حركة مستمرة ودائمة تعبر عن روح كلمة ثورة في اللغة العربية.
2026-10-01