المهندس أبو عطايا!

رنا علوان
[ يشرّفني أن أكون عدوًّا للاحتلال الإسرائيلي ، وأشرف موقع ممكن أن يصل إليه أي فلسطيني هو أن يكون مقاتلاً ، وأن يحافظ على شعبه ويحميه ، ويحافظ على مقدساته ، ويضحي بكل ما يملك من أجل حرية شعبه]
وُلد جمال أبو سمهدانة عام 1963 في مخيم المغازي للاجئين ، على مقربة من دير البلح وسط قطاع غزة ، حيث أمضى طفولته ، ثم انتقل إلى مخيم رفح بعدما اعتقل والده وشقيقه ، وأنهى الثانوية العامة في رفح
التحق بقسم الجغرافيا في كلية الآداب في الجامعة الإسلامية لكنه لم يكمل تعليمه حيث اضطر الى الفرار من قطاع غزة للخارج عبر مصر بعد مطاردة القوات الصهيونية له في مطلع الثمانينيات ، حيث كان يقود مجموعات عسكرية تابعة لحركة فتح
من ثم عاد مع القوات الفلسطينية التي رافقت الرئيس الراحل ياسر عرفات في 1994 حيث عمل ضابطًا في جهاز الأمن العام
وهو أب لأربعة أولاد وبنت أكبرهم عطايا (14 عاما) وتنحدر عائلته من بلدة بئر السبع المحتلة عام 1948
آمن “أبو عطايا” بضرورة إيجاد بديلٍ نضاليٍّ فاعلٍ على الأرض ، فشّكل وعددٍ من رفاقه لجان المقاومة الشعبية ، ولاحقًا ألوية الناصر صلاح الدين ، إبّان الانتفاضة الثانية
وظّف فيها علمه وخبرته في سلاح الدروع ، وتطوير منظومة الصواريخ والأسلحة ، كما قاد وشارك في العديد من عمليات الألوية النوعيّة المتميّزة ، والتي باتت رقمًا صعبًا في التصنيع العسكريّ ومقاومة العدوّ
في منزله البسيط والمتواضع في مدينة رفح ، جنوب غزة ، وُلدت الحكاية
منزل الحاج عطايا أبو سمهدانة (أبو محمد) منزل كغيره من منازل القطاع الذي لم تتوقف فصول المقاومة فيه ، كما لم يمرّ يومٌ في تاريخه دون فعلٍ نضاليٍّ منذ احتلاله
ومن هذا المنزل المقاوم ، تشكّلت شخصية الشهيد “أبو عطايا” العسكريّة النضاليّة الخاصة به ، فكان أخوه الشهيد صقر أبو سمهدانة أحد فدائيّي القطاع الغربي لقوات العاصفة ، التابعة لحركة فتح ، والتحق لاحقًا بقوات الثورة الفلسطينية في بيروت ، واستُشهد في لبنان عام 1975 دفاعًا عن الثورة الفلسطينية
بدأت أولى طلائع المقاومة الشعبية بالتشكّل بعد أشهرٍ قليلةٍ من احتلال غزة ، وانطلقت قوات التحرير الشعبية التابعة لحركة فتح وطلائع المقاومة الشعبية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
فالشهيد “أبو عطايا” شقّ طريقه النضالي الخاص ، في مرحلة عمرية مبكّرة ، عام 1981، بحيث بدأ العمل ضمن الأطر الطلابيّة والشعبيّة لحركة فتح في رفح ، فنظّم المظاهرات والمواجهات اليوميّة مع قوات الاحتلال الصهيوني ، وتعرّض في إثرها لتجربة اعتقال مبكّرة استمرت أربعة شهور ، في سجون الاحتلال، عام 1982
ومعها بدأت حكاية الحاج عطايا مع مقاومة المحتل ، فأضحى خليةَ عملٍ دؤوبةً في تمويل الخلايا العسكرية الفدائية العاملة مع حركة فتح ، تحت إمرة الشهيد أبو يوسف النجار ، المسؤول الأول آنذاك عن العمليات الفدائية في الداخل المحتل في حركة فتح ، ضمن القطاع الغربي لقوات العاصفة
ودفع الحاج عطايا أثمانًا على سبقه النضاليّ ، فأمضى خمس سنواتٍ من حياته في الأسر ، بعدما نسف الاحتلال بيته في رفح في عام 1970
شارك أبو سمهدانة في الفعاليات الشعبية ، التي انطلقت في قطاع غزة ، قبل أن يغادره إلى مصر ، ومن هناك إلى دمشق ، ثم المغرب فتونس ، حيث بقي عامين
وانتقل بعد ذلك إلى ألمانيا ، حيث التحق بالكلية العسكرية وتخرّج منها “مهندسًا للدبابات” عام 1989 ، قبل أن ينتقل بعدها إلى الجزائر ، ثم إلى بغداد
وفي الجزائر كانت النقطة الفارقة في حياته ، وذلك عام 1993، حين التقى الشهيد فتحي الشقاقي في الجزائر وفي هذه الفترة ، أي قبل عودته إلى فلسطين ، وُلدت بذور فكرة تشكيل لجان المقاومة الشعبية في فلسطين ، وذراعها العسكرية ، ألوية الناصر صلاح الدين
في عام 1995 وصول إلى فلسطين ، ليكمل الشهيد جمال أبو سمهدانة مشواره ، بحيث عمل بصورة سرية مع المجموعات الأولى للقوى الإسلامية المجاهدة، “قسم”، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، والذي بات يُعرَف بسرايا القدس ، مع رفيقه الشهيد محمد الشيخ خليل ، وهو قائد عسكري بارز في الحركة
في عام 1996 ، فاز جمال أبو سمهدانة بأمانة سرّ حركة فتح في إقليم رفح ، حيث تمتّع بشعبية عالية جداً في الأوسط الشعبية في الحركة ، وكان محبوباً في المدينة
في عام 2000 ، شهدت رفح بواكير تشكيل حالة عسكرية مقاومة ، قادها عدد من المناضلين ، اتّسعت لمختلف الخلفيّات التنظيميّةة، وضمّت أسماء كجمال أبو سمهدانة ، ورائد العطار ، ومحمد أبو شمالة ، ومحمد الشيخ خليل ، ومحمد عبد العال ، وخالد منصور ، وخالد عواجة ، وجمال عبد الرازق
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى ، بادر الشهداء جمال أبو سمهدانة ، وخالد عواجة ، ومحمد الشيخ خليل ، مع عددٍ من الكوادر المسلحة ، كعوض النيرب ، وأبي إبراهيم القيسي ، إلى اقتحام مبنى بلدية رفح في 28 أيلول/سبتمبر 2000
وتمكّنوا من الاستيلاء على عددٍ من الجرافات ، وقاموا بفتح نحو 30 ثغرة اشتباكٍ عند طول السلك الفاصل بين جنوبي قطاع غزة والداخل المحتل
وفي عام 2006 ، عين أبو سمهدانة مراقبًا عامًا لوزارة الداخلية والأمن الوطني ، أي قبل استشهاده بأقل من شهرين ، رغم أنه كان من أبرز المطلوبين للاحتلال لقيادته لجان المقاومة الشعبية حيث اتخذت دولة الاحتلال قرارًا استراتيجيًا باغتيال جمال عطايا أبو سمهدانة وقد صدر قرار من وزير الحرب الصهيوني بالموافقة على الاغتيال وجميع من حوله
جمع التاريخ النضالي والرغبة في المقاومة هذه الأسماء ، وعمل أصحابها من دون إطار تنظيمي ، ونظّموا أنفسهم ضمن مجموعات صغيرة مركَّزة ، تمتلك بضع بنادق كلاشينكوف قديمة
واهتمّت المجموعة بالعمليات النوعية التي توزّعت بين إطلاق النار على سيارات المستوطنين ، واستهداف الحواجز ، على نحو عفويّ ، ووفق تنظيم عسكري بسيط للغاية وسري تمامًا ، وصاحب ذلك تطوّر في الأداء العسكريِّ للمجموعة
تعرض جمال أبو سمهدانة (أبو عطايا) لخمس محاولات إغتيال فاشلة ، حيث كانت بصماته الناصعة وخبرته العسكرية واضحة وجلية وشجاعته في تنفيذ أضخم وأكبر العمليات العسكرية ضد العدو الصهيوني
الا انه في مساء الخميس 8 يونيو/ حزيران 2006 ، كان أبو سمهدانة في موقع التدريب التابع للمقاومة غرب مدينة رفح في تل السلطان ، حيث كان موعد لقائه مع مجموعة من الاستشهاديين خلال التجهيز لعملية عسكرية
قصفت طائرات الاحتلال الصهيوني ، الموقع الذي يتواجه فيه القائد أبو عطايا ، مع مجموعة من مرافقيه المقاومين ، وقد نقلوا فورًا لمستشفى “أبو يوسف النجار” برفح
ووسط صيحات الغضب ودعوات الثأر والانتقام ، شيع عشرات الآلاف من الفلسطينيين في اليوم التالي بمدينة رفح جنوب القطاع جثمان الشهيد أبو سمهدانة (أبو عطايا) الأمين العام للجان المقاومة الشعبية وثلاثة من مرافقيه إلى مثواهم الأخير في مقبرة الشهداء
2023-06-11