ليس المقصود بالبهلوان باسم عوض الله، بل بهلوان السيرك الذي يعتمد على حبل سري لتامين القفز بين أعمدة السيرك التي تحمل الخيمة التي يوجد تحتها الجمهور والبهلوان وبقية مكونات السيرك. وبالرغم من أن الأحبال في الأردن تتقطع، فما زال الملك يراهن على الحبل السري الذي يمكنه من القفز بين أعمدة السيرك (فيبقى الجمهور مشدوداً للقفزات الخطرة) دون أن يسقط وتدق عنقه.
فالملك الذي تطربه صيحات الجمهور (هووو) مع كل قفزة، يسعى أيضاً لاستدراج النخب السياسية لحوارات فارغة، لتشتيت انتباههم بعيداً عن عمليات النهب المنظم التي تجري لموارد الدولة. فبعد أشهر على تسريبات البنك الدولي عن تحويل أكثر من ثلاثة مليارات دولار للملاذات الآمنة، قام الملك بالشقلبة البهلوانية الاستثنائية بقصة انقلاب أخيه وولي عهده السابق بالشراكة مع حفيد البهلوان، وبقيت القصة تخضع للتأويل ومادة إشغال وتأثيث للفضاء الإعلامي في الأردن وعنه، قبل أن تفقد معقوليتها وجاذبيتها وتسقط تحت سؤال لماذا قام الملك بمعالجة “المشكلة” بهذه الطريقة الاستعراضية؟ لتولد سلسلة إجابات معلقة ما بين محاولات فهم هوسه الشخصي من أي صوت يصدر إشارات نقدية او تحذيرية، وصولاً إلى تفسير فهمه للسياسة ومتطلبات القيادة وخلطها مع محاولات الحفاظ على انتباه الجمهور مشدوداً لحركاته وتصريحاته.
وبعد عدة قفزات صغيرة عدنا لإعلان التوتر على حدودنا الشمالية للتصدي لإيران في سوريا، ولكن دون التعرض لروسيا، ففي المقابلة التلفزيونية في واشنطن، طالب ضمناً بان يسانده العالم (ويدفع له الأموال كما أثناء الحرب على الإرهاب) ليملاً هو الفراغ الذي سينشأ عن “انسحاب روسي توقعه هو وحده” من سوريا، وكأن القوات الامريكية في شمال الأردن (شراشيب زينة)، أو أنهم مجرد أرانب مذعورة يحتاجون للملك عبد الله ليختبئوا في ظله الطويل من مخاطر الفراغ الاستراتيجي الناشئ عن انسحاب روسي -انفرد الملك بتوقعه- من سوريا. وبالمناسبة لم أطلع أو أسمع من أي محلل استراتيجي أو مراقب أو حتى أي من مقدمي برامج التشويق السياسي، من توقع او يتوقع انسحاب روسي من سوريا تحت تأثير وطأة الحرب في أوكرانيا، وحده الملك قال ذلك في واشنطن لتخويفها وابتزازها.
وما أن هدأت همهمات الجمهور حول قفزة “التوتر على الحدود الشمالية”، والتي تداخلت مع همهمات وضع ولي عهده السابق تحت الإقامة الجبرية، حتى جاءتنا القفزة الجديدة نحو “الناتو الشرق أوسطي” ليطلب الملك من شعبه أن يقتنع بان الأردن دولة إقليمية عظمى ينتظر زعماء الإقليم إيماءات الملك ليصطفوا حسب إشارته. فبعد قرابة سبعين عاماً على ظهور وانهيار حلف بغداد ونظام الحكم فيها، ومقتل رئيس الوزراء الأردني الذي تحمس لمغامرة ذلك الحلف، جاء الملك بحركة بهلوانية كاريكاتيرية ليطرح مقترح تحالف إقليمي بقيادة أمريكية، مذكراً القوى الإقليمية وواشنطن بمخاطر الأحلاف، دافعاً أكثر من عاصمة (بما فيها واشنطن) لترسل رسائل تهدئة وتطمين لتجاوز المخاوف التي أثارها الحديث المرسل للملك، الذي يخلط بين تحولات موازين القوى الإقليمية وقفزات التسلية لجلب بعض الأموال.
فإذا لم تسمح قواعد الحرب الباردة بتعديل موازين القوى الإقليمية بمغامرة حلف بغداد قبل سبعين عاماً، فإن ما يجري الآن، أيضاً لم ولن يسمح بذلك. ولن تتغير قواعد علاقات القوى الإقليمية تحت وطأة بحث الملك عن فرصة عالمية تمكنه من تأجير المرافق الوطنية للحصول على بعض العوائد المالية، وتجاهله (أو ربما عدم انتباهه) إلى أن مجرد التلويح بتحالف تركي مصري عام 2012 قاد إلى كوارث إقليمية ما زالت هزاتها الارتدادية مستمرة.
ولكن المثير للحرج إذا كان الملك يعتقد بجدية أن بإمكانه أن يبيع واشنطن مقترح إنشاء “ناتو شرق اوسطي”، وأنه يستطيع دفع الدولة العظمى لتعديل خياراتها، وتجاوز تاريخ متراكم لإنشاء منظومة علاقات القوى الإقليمية (Regional Order) وصيانتها. فالدولة العظمى توظف أدوات قوتها الدبلوماسية والعسكرية والمالية لإنفاذ خياراتها، وتقدم التطمينات للأطراف المختلفة للحفاظ على منظومة إقليمية مستقرة، ولن تعدل هذا الخيار لإرضاء أي طرف.
ويمكن هنا الإشارة إلى أوجه الشبه بين الملك عبد الله والإمبراطور الروماني كومودوس ابن الامبراطور ماركوس أوريليوس، والذي قام مستنداً إلى انه المصارع ابن “الفيلسوف الرواقي” بتنظيم حلقات المصارعة في روما على مدار العام ولسنوات متتالية للتغطية على جرائمه وعلى استبداده وتفاهته. وكانت النتيجة انه مات مقتولاً بيد حرسه الخاص بعد ان نفذ صبر مؤسسات الدولة الرومانية وجيشها وشيوخها من تبديده للموارد دون أي مردود سوى إبقاء روما منشغلة بعيداً عن السياسة.
أحيراً، فإن قفزات الملك البهلوانية تكشف إفلاسه الاستراتيجي وأنه ليس لديه خطط ولا مقترحات ولا مشاريع تتجاوز تقديم “أوراق نقاشية” للشعب، مما يفرض على القوى الديمقراطية التمسك بوظيفة النظرية السياسية، للكشف عن طبيعة تفكير الملك، وتوقع خطواته الفعلية (وليس حفلات التهريج وقفزات التضليل البهلوانية) والاستعداد لمواجهتها، وإن كانت المؤشرات تؤكد على أنه لا يمتلك الفرصة للقيام بأي خطوة بأي اتجاه، فهو مربوط بموقعه الراهن وعاجز عن أي مناورة خارج سياق ألعابه البهلوانية.