المقاومةُ.. وأبرزُ ثوابتِ ناهض حَتَّر الأُخرى!
(كلمتي، عند ضريح الشَّهيد ناهض حتَّر، في الذِّكرى الثَّامنة لاستشهاده، أمس الأربعاء 25 أيلول 2024)
سعود قبيلات
مساء الخير،
مساء المقاومة،
مساء الحُرِّيَّة والتَّحرير،
مساء الموقف الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ الشُّجاع،
مساء الشُّهداء والمقاومين الأبطال،
وبعد..
ففي البداية، يُشرِّفني أنْ أُبلغكم بأنَّ الدّكتورة رندة قاقيش، زوجة الشَّهيد ناهض حتَّر، قد تواصلتْ معي، صباح هذا اليوم، مِنْ مكان إقامتها الاضطراريّ البعيد، وطلبتْ منِّي أنْ أنقل سلامَها وتحيَّاتِها، إلى المتحدِّثين، وإلى الحضور، في هذا المكان الموقَّر..
وها أنا قد فعلتُ..
عرفتُ رفيقي وصديقي القديم، الشَّهيدَ ناهض حتَّر، في فترةٍ مبكِّرة.. منذ أنْ كان في مُقتبلِ عمرِه؛ وسرعان ما أصبح، بالنِّسبة لي، كواحدٍ مِنْ أشقَّائيّ.
وحتَّى وهو لا يزال في مقتبلِ عُمرِه، كان ناهضُ شديدَ الذَّكاء؛ متفتِّحَ الذِّهن؛ نيِّرَ العقل؛ يتجاوزُ المألوفَ باستمرار في أفكارِه ومبادراتِه؛ ويعملُ بدأب مِنْ أجل تطويرِ ثقافتِه ومعارِفه وتعميقِها؛ كما كان ينشطُ، بلا انقطاع، في مجالاتٍ متعدِّدةٍ (ثقافيَّة، وإعلاميَّة، وسياسيَّة، وأدبيَّة إبداعيَّة، وجماهيريَّة). ونشاطُه ذاك، كُلُّه، كان مكرَّساً دائماً لخدمةِ مشروعٍ سياسيٍّ ثقافيٍّ واضحٍ في ذهنِه، وراسخٍ في وجدانِه.
ومنذ ذاك، كان ناهض يرى نفسَه جُزءاً من الحركة الشُّيوعيَّة (الأردنيَّة والعربيَّة والعالميَّة).. جزءاً ملتصقاً بها ومستقلَّاً عنها، في الوقتِ نفسِه..
وقد حقَّق ذاتَه، بصورةٍ جيّدةٍ، في مطلعِ شبابِه، في إطارٍ تنظيميٍّ محسوبٍ على الحزب الشُّيوعيّ الأردنيّ، هو اتِّحادُ الشَّباب الدِّيمقراطيّ الأردنيّ. وكان ذاك إطاراً مرناً ويضمُّ عدداً من المثقَّفين الأردنيين البارزين..
في ذلك المناخ الملائمِ له، نشط، وأطلقَ طاقاتِه الفكريَّةَ والسِّياسيَّةَ والثَّقافيَّةَ، وبرزَ، وأنجزَ.
ومنذ ذاك، اكتشف (ناهض) مهدي عامل، وسار على طريقه؛ وفي النِّهاية، استُشهِدَ مثله؛ وربَّما بالذَّريعة الزَّائفة نفسِها..
يقول ناهض عن مهدي عامل في تاريخ 25 أيلول (أي في مثل هذا اليوم) من العام 2012، وتحت عنوان «فلنتذكَّر مهدي عامل…»، يقول: «أنا أتذكّره بلا انقطاع، بمعنى أنَّني أُفكِّره في إنتاج أفكاري. مهدي عامل مِنْ عدَّة شُغلي».
وبالإضافة إلى مهدي عامل، كان ناهض يستفيد بأفكار ومنهج المفكِّر الإيطاليّ الماركسيّ الكبير أنطونيو غرامشي. يقول في هذا المجال: «وأنا أفيد، في عملي الفكريّ – السِّياسيّ، مِنْ مفكِّرَين ماركسيين كبيرين، أحدهما عربيّ لبنانيّ هو الشَّهيد مهدي عامل، وثانيهما إيطاليّ هو الفيلسوف الكبير أنطونيو غرامشي. وهما يشكِّلان، عندي، معاً، ضميراً علميَّاً يُضيء لي قراءة التَّاريخ الاجتماعيّ للبُنية الأردنيَّة في إطارها العربيّ، ويفتح أمامي طريقاً بِكراً نحو جدل الاجتماعيّ والوطنيّ، والقُطريّ والقوميّ، في الواقع التَّاريخيّ العربيّ».
وبالمناسبة، كان ناهض حتَّر أحدَ قلَّة قليلة جِدَّاً من المثَّقفين العرب الَّذي يمكن وصفُه بالمثَّقف العضويّ، بالمفهوم الغرامشي للمثقَّف العضويّ.
ومنذ ذاك، أيضاً، وحتَّى آخرِ حياتِه، كانت لدى ناهض الثَّوابتُ المبدئيَّةُ التَّالية:
أوَّلاً: التَّمسّك بقضيَّة التَّحرُّر الوطنيّ، «بوصفها قضيَّة مركَّبة من الوطنيّ والاجتماعيّ والسِّياسيّ والثَّقافيّ والجيوسياسيّ والاستراتيجيّ»؛
ثانياً: النَّظر إلى القضيَّة الفلسطينيَّة على أساس أنَّ «فلسطين تظلُّ، تاريخيَّاً، فلسطين، حتَّى لو جثم الاحتلال الصّهيونيّ على صدرها زمناً – وحتَّى لو قامت، على أنقاض شعبها العربيّ، دولةُ الغزاة المسمَّاة “إسرائيل”»
وكان يرى أنَّ الصِّراعَ التَّاريخيّ القائم في المنطقة هو صراعٌ بين الشُّعوب العربيَّة وبين الهجمة الصّهيونيَّة، وكيانها العدوانيّ الجاثم على أرض فلسطين العربيَّة، وأنَّه «صراعٌ لا مفرَّ منه، ولا مفرَّ من القيام بواجباته النِّضاليَّة حتَّى النِّهاية».
و”النِّهاية”، التَّي يقصدها هنا، هي بتعبيره: «كسر الهجمة الصّهيونيَّة وإزاحتها مِنْ طريق النَّهضة العربيَّة».
وكُلُّ تفاصيلِ موقفِه الأُخرى، الَّتي أُسيء فهمُ بعضِها (بحُسْنِ نِيَّةٍ أو بسوئها)، وخصوصاً التَّفاصيلَ المتعلِّقةَ بموقفِه مِنْ تشابكات القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ مع القضيَّةِ الأردنيَّةِ، إنَّما هي مَبْنِيَّةٌ أساساً على موقفِه الثَّابت والمبدئيّ، هذا، في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ ودفاعاً عن القضيَّة الفلسطينيَّة؛
ثالثاً: النَّظر إلى نفسِه على أنَّه ماركسيّ أُمميّ ووطنيّ وقوميّ؛ وبخصوص البُعد القوميّ لموقفه وهويَّته، فقد رأى، في وقتٍ لاحق، أنَّه قوميّ «لا بالمعنى الطّوباويّ الأيديولوجيّ؛ ولكن بمعنى آخر، يتجسَّد في الضَّرورة العيانيَّة التَّقدُّميَّة لوحدة الأقطار السُّوريَّة في إطار عربيّ مفتوح على أشكال يصنعها التَّاريخ من التَّضامن والاتِّحاد».
رابعاً: الانطلاق من الموقفِ من الإمبرياليَّة، والموقفِ من الرَّأسماليَّة، والموقفِ من الصّهيونيّة، والموقفِ من الرَّجعيَّة؛ وكذلك، الموقف من المصالح الوطنيَّة والقوميَّة، الَّتي كان يرى أنَّها هي هي مصالح الأغلبيَّة الشَّعبيَّة الكادحة.. الانطلاق مِنْ هذه المواقف كمعايير لتحديدِ موقفِه من السِّياسات المختلفةِ وأصحابِها؛ مع تغليبِه لمعايير: الموقف من الإمبرياليَّة والموقف من الصّهيونيَّة، والموقف من المصالح الوطنيَّة والقوميَّة على سواهِا؛ كُلَّما لزم الأمر. وعلى هذا الأساس الواضح، كان يبني تصوَّرَه للإطارِ الموضوعيّ للتَّحالفات السِّياسيَّة والمواجهات السِّياسيَّة..
خامساً: بناءً على ذلك كُلِّه، كانت المقاومةُ ثابتاً أساسيَّاً من الثَّوابت المبدئيَّة لناهض حتَّر. وقد اصطفَّ إلى جانب المقاومة ضدّ الإمبرياليَّة والصّهيونيَّة، في كُلِّ مكان؛ وكان اصطفافُه معها أشدَّ، إذا كانت موجَّهةً، أيضاً، ضدّ الرَّأسماليَّة والرَّجعيَّة..
وهكذا..
وقف ناهض، بقوَّة، بل بصورةٍ وثيقة وحثيثة، مع المقاومة العراقيَّة، ضدَّ الاحتلال الأميركيّ، رغم اختلافه الأيديولوجيّ معها..
ووقف، مع المقاومة اللبنانيَّة (ممثَّلة بحزب الله)، ضدَّ العدوّ الصّهيونيّ، رغم اختلافه الأيديولوجيّ معه..
ووقف، مع حزب الله، أيضاً، في مواجهته للجماعات التَّكفيريَّة، المرتبطة بالرَّجعيَّة العربيَّة والإمبرياليَّة العالميَّة، في حربها على سوريا..
ووقف، كذلك، مع حماس في مواجهتها للعدوان الصّهيونيّ في العام 2008، رغم اختلافه الأيديولوجيّ معها؛ واتَّخذ الموقفَ، نفسَه، في كُلِّ مرَّةٍ من المرَّات الَّتي اعتدى فيها الكيان الصّهيونيّ على غزَّة.
ووقف مع المقاومة في بلدان أميركا اللاتينيَّة وفي بُلدان الأطراف كُلِّها، ضدَّ الإمبرياليَّة وضدَّ الرَّأسماليَّة..
وفي النِّهاية، انحدر أعداؤه، وخصومُه السِّياسيُّون، إلى مستوىً منحطٍّ جِدَّاً مِنْ مستويات التَّعبير عن العداوة والخصومة؛ بحيث أنَّهم افتَعلَوا له قضيَّةَ تكفيرٍ زائفةً، ليقتنصوه بجبن مِنْ خلالِها، بدلاً مِنْ أنْ يواجهوه في ميدانِ نضالِه الحقيقيّ.. الميدان الحقيقيّ الَّذي اختصموا معه فيه..
لقد حوَّلوا خلافَهم معه، بكُلِّ لؤمٍ وخِسَّة، وبلا أدنى قدرٍ من النَّزاهة أو الاحتكام للضَّمير، مِنْ خلافٍ سياسيٍّ إلى قضيَّةٍ دينيَّةٍ تكفيريَّة!
وبذلك، خسرنا، وخسر شعبنا، وخسر بلدنا، وخسرت أمّتنا، مناضلاً وطنيّاً وقوميَّاً وأُمميّاً صلباً، وعميقَ الفِكر والثَّقافة، ومُنتجاً أصيلاً للفِكر والثَّقافة.. مناضلاً لم يتقاعس يوماً عن القيام بواجبه النِّضاليّ الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ..
ومن الظّلم أنَّ هذا المناضل الوطنيّ والقوميّ والأُمميّ الفذّ، قد اُغتيل، في النِّهاية، بذرائعَ تكفيريَّةٍ مفبركةٍ بصورةٍ دنيئة؛ وحتَّى رغم أنَّه كان هو مَنْ أدان الرُّسومَ الدّنماركيَّةَ المسيئةَ للرَّسول الكريم أشدَّ إدانة، ودافع عنه، في مواجهتها، أفضلَ دفاعٍ وأقوى دفاعٍ؛ في مقالٍ له نُشِرَ في جريدة «العرب اليوم» في تاريخ 20 أيلول 2012، بعنوان «انتصاراً لرمزنا القوميّ»!
ولا يزال ناهض حتَّر يتعرَّض للاغتيال باستمرار، على يدِ أعدائه وخصومه السِّياسيين، الَّذين يُغلِّبون مشاعر الكراهية الطَّاغية لديهم، ضدَّه، على واجبهم الأخلاقيّ في التَّعبير عن اختلافهم معه بنزاهة..
ومع الأسف..
جَمْعُ الكراهية، هذا، يشمل، أيضاً، حتَّى بعض مَنْ يُفتَرَض بهم أنْ يكونوا في الخندق نفسِه الَّذي كان يقف فيه ناهض.. الخندق المعادي للإمبرياليَّة والصّهيونيَّة والرَّجعيَّة، الخندق الوطنيّ التَّقدُّمي والقوميّ الدِّيمقراطيّ..
أعتقد أنَّ السَّبب هو أنَّ ناهض كان على درجة كبيرة من الصِّدق والشَّجاعة والالتزام المبدئي، بحيث أنَّه كشف عورات الجميع.. عورات مَنْ يقفون في الخندق المقابل؛ وعورات بعض مَنْ يزعمون أنَّهم يقفون في الخندق نفسِه الَّذي كان يقف فيه ناهض..
لكن، في المقابل، مِنْ ذكرى سنويَّة إلى أخرى، ومِنْ واقعة نضاليَّة إلى أخرى، ومِنْ تطوُّر سياسيّ إلى آخر، يزداد عددُ الَّذين يفهمون ناهض حتَّر، ويزداد عدد الَّذين يُقدِّرونه حقَّ قدره، ويزداد عدد الَّذين يكرِّسونه كأحد الرّموز الوطنيَّة الأساسيَّة..
والآن..
بينما تصعدُ المقاومةُ، ضدَّ العدوّ الصّهيونيّ والإمبرياليّ، في غزَّة، وفي الضّفّة الغربيَّة، وفي لبنان، وفي اليمن، وفي العراق، فإنَّنا نفتقد ناهض حتَّر بشدَّة.. نفتقدُ عقلَه اليقظَ والمبدعَ، ومبادراتِه الحيويَّةَ، وطاقتَه الاستثنائيَّة..
لو كان ناهض على قيد الحياة الآن، لما كان قد هدأ، أو تلكَّأ، حتَّى لو لحظة واحدة، عن القيام بكُلِّ فعلٍ يمكنُ أنْ يسندَ المقاومة.. المقاومة في غزَّة، والضّفّة، ولبنان، والعراق، وحيثما كانت..
أنا أتكلَّم، بلغة واثقة، بأنَّ هذا ما كان سيفعله؛ لأنَّني أعرفه جيِّداً..
المجدُ والخلود لذكرى شهيدِنا الكبير.. شهيد الكلمةِ الحُرَّة والموقفِ الوطنيّ الشُّجاع،
المجدُ والخلود لشُهداء فلسطين والأردن والأمّة العربيَّة، وشهداء الحُرِّيَّة في كُلِّ مكان من العالم،
والنَّصرُ حتماً للقضايا العادلة.. القضايا الَّتي دافع عنها ناهض حتَّر، في الأردن، وفلسطين، والبلاد العربيَّة، والعالم كلِّه.
https://www.facebook.com/share/p/6mG9Bxcr6gxQqmB6/
2024-09-27
