المعنى كفعل تحرري: قراءة في مقال الدكتورة غانية ملحيس ” غزة ولحظة انكشاف الغرب “!
بقلم: خالد عطية
ما خطّته الدكتورة غانية ملحيس في مقالها “غزة ولحظة انكشاف الغرب” لا يُقرأ كمجرد تحليل سياسي ظرفي، بل يُستقبل كصرخة فكرية نابعة من الألم المقاوم، كاشفة لما هو أعمق من مشهد الدم والدمار في غزة. إنها ليست صرخة لإدانة العالم فحسب، بل دعوة لإعادة بناء الذات، وإطلاق مشروع تحرري يستند إلى المعنى، لا إلى ردود الأفعال العابرة.
لقد أصابت الدكتورة في تفكيك جوهر الصراع، حين حرّكته من ميدانه التقليدي، من الجغرافيا والسياسة، إلى ميدانه الحقيقي: معركة المعنى. فالاحتلال لم يعد مجرد احتلال أرض، بل محاولة ممنهجة لاغتيال رؤية الإنسان لذاته، وإعادة تشكيل وعيه ضمن منظومة الهيمنة. وهنا تتجاوز غانية ملحيس السردية الكلاسيكية للمظلومية، لتقدّم غزة بوصفها مرآة أخلاقية تفضح الغرب، وتوقظ الشرق.
هذا التحوّل المفاهيمي من الجغرافيا إلى المعنى، ومن الصراع العسكري إلى المواجهة الحضارية، هو ما يمنح المقال طابعه التأسيسي، ويحوّله إلى لحظة نادرة في الكتابة العربية، تُفكك فيها أدوات الهيمنة، ويُعاد فيها تعريف النصر: ليس بقدر ما يُدمر العدو، بل بقدر ما ننجح في بناء بديل قيمي ومعرفي وتنظيمي عنه.
غير أن هذه الصرخة – كما هي العادة في النصوص العميقة – تفتح الباب أكثر مما تغلقه. فهي لا تدّعي امتلاك الإجابة الكاملة، بل تطرح الأسئلة المؤسسة: كيف ننتج سرديتنا؟ كيف نمنعها من التحول إلى أداة إقصاء؟ كيف نبني مشروعًا تحرريًا لا يكرر أخطاء ما سبق، ولا يقع في شرك من ينتقده؟
في هذا السياق، تبدو الحاجة ماسة لاستكمال هذا التأسيس، من خلال توسيع التأمل حول شكل التنظيم المقاوم المطلوب، وحدود الهوية الحضارية التي نطرحها كبديل. فالهوية – وإن كانت مصدر قوة – قد تتحول إلى أداة سجن إن لم تُصغ بروح نقدية منفتحة، تضمن التعدد داخل وحدة المقصد.
كذلك، فإن التمييز بين المقاومة كمشروع تحرري، والأنظمة التي تلبس قناع المقاومة لتبرير الاستبداد، يبقى ضرورة فكرية وسياسية. فليس كل من يرفع شعار فلسطين مقاومًا فعلاً، كما أن تبرير القمع الداخلي باسم المواجهة الخارجية هو أحد أخطر أشكال مصادرة الوعي.
وإذا كان إدوارد سعيد قد دشّن فضاءً معرفيًا لكشف بنية التمثيل الاستشراقي للآخر الشرقي، فإن قراءة الدكتورة غانية ملحيس لا تتوقف عند حدود تفكيك صورة الضحية في خطاب الغالب، بل تتقدّم نحو مساءلة شروط تمثيل الذات في خطاب المغلوب، بما يشير إلى تجاوز لمرجعيات ما بعد الكولونيالية الكلاسيكية. إنها لا تعيد فقط إنتاج أدوات النقد السعيدي، بل تعمّقها وتعيد توجيهها نحو مساءلة مركزية القانون الدولي كأداة لإنتاج “الضحية المقبولة”، وتفكيك المعايير الغربية المضمَنة في لغة العدالة نفسها. بهذا المعنى، فإن فكر الدكتورة يتموضع ضمن أفق نقدي ما بعد إدواردي، يعيد تعريف المعنى لا بوصفه تمثيلاً، بل كفعل تحرري يسترد الذات من شروط ظهورها الاستعماري–القانوني. إن المعنى هنا ليس ترفًا لغويًا، بل معركة على شروط الرؤية والاعتراف، ولذلك تتحول اللغة ذاتها إلى ميدان مقاومة، لا وسيلة تواصل محايدة.
من هنا، نقرأ مقال الدكتورة لا كوثيقة مكتملة، بل كمنارة تُضيء الطريق، وتنتظر من يكمل البناء. إنها دعوة للتفكير، لا للتسليم، وللتفاعل النخبوي المسؤول، لا للترديد الشعاراتي. إنها بداية سردية بديلة، لا تكتمل إلا حين تتحوّل إلى مشروع معرفي، تنظيمي، إعلامي، وثقافي، يملك أدواته ويعرف حدوده.
ولأن العالم ينكشف، وتسقط أقنعته، فإن اللحظة ليست فقط لحظة انكشاف الغرب، بل لحظة إمكان حقيقي للشرق. إمكان مشروط بالقدرة على بناء سرديتنا، وتحالفاتنا، ومؤسساتنا، وخطابنا. فنحن لا ننتصر حين نُدين، بل حين نُنتج. ولا نواجه الهيمنة حين نكشفها فقط، بل حين نقدّم عنها بديلاً حيًّا نابضًا بالكرامة والعدالة والمعنى.
إننا، إذ نثمّن هذا المقال العميق، نرى فيه صرخة لا يجب الاكتفاء بتكرارها، بل مسؤولية توسيع أفقها، والانخراط في ورشة فكرية جماعية لصياغة مشروع تحرري جامع، يعيد تعريف مفاهيم القوة، والعدالة، والسيادة، والهوية، ضمن أفق نقدي، إنساني، مقاوم.
كل الشكر والتقدير للدكتورة غانية ملحيس، التي منحتنا بهذا النص نافذة لفهم جديد، وحافزًا لتفكير مسؤول، وأساسًا يمكن أن نبني عليه مشروعًا لا يكتفي بالصمود، بل يطمح للتحرر الكامل.
22/06/2025
