المحاكمات وتوقيتها جزء من وعي سياسي نضالي كفاحي …!
عماد قطنيه
أعلم أن اقتحام مخيم جنين وجنين واقتحامات نابلس والعديد من مدن وقرى ومخيمات الوطن في الضفة العربية لتهر الأردن المسمى مناطق السلطة الفلسطينية , تؤلم وتستفز وتحرك عواطف وعقول المهتمين بالشأن العام وغير المهتمين . وأعلم كما الجميع أنها تحرك أقلام الحريصين الصادقين والمغرضين على حد سواء .
ما جرى ويجري مؤخرا في الضفة يأتي في إطار الصراع الوجودي مع الكيان , و يأتي في ظل ظروف و توازنات وإمكانيات معينة ومتغيرة في ذات الوقت . هذه الظروف والمتغيرات تحصل على جانبي أطراف الصراع بتعقيداته وتداخلاته . وهي لا تخضع لمقياس أو لحسابات تقليدية متوفرة بيد الجمهور , أو بيد المحللين , أو من يُداخلوا على صفحات التواصل الإجتماعي سواء على خلفية العاطفة أو خلفية المتابعة .
جنين ونابلس وكل منطاق الضفة ببؤرها الساخنة أو الخامدة , ليست قطاع غزة , ولا حزب الله . الضفة حالة استثنائية في المعطيات والحسابات وتداخل الأطراف من سلطة واحتلال وكتائب وفصائل , تتقاطع و تتنافر بشكل لا طبيعي من حيث المصالح و الرؤيا والمواقف والأهداف , مما يجعل القراءة والتحليل والتقدير أكثر صعوبة وتعقيدا , دون القفز عن وضوح الإطار العام للمعادلات جميعها .
وأي افتراض لأي ربط ميكانكي بين الساحات في الصراع لن يضعنا على عتبة الحقيقة , ولا على عتبة اجتراح معجزة النصر في ظل ظروف لا تسمح أو لا تؤمن النصر . فمجموع قوى المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة والخارج رغم نمو امكانياتها التسليحية والبشرية بخبراتها , لازالت في مرحلة الدفاع الإستراتيجي من مراحل حرب التحرير , رغم أنها قد تكون وصلت مرحلة معادلة الردع , لأسباب ذات صلة بالساس بالجغرافيا والقدرة على جلب المعركة الى العمق الصهيوني , وليس بسبب القدرة التدميرية للآلة العسكرية .
هذه المرحلة لا تسمح علميا وعمليا , لا ببدء مرحلة الهجوم المفتوح أو الواسع المحسوب النتائج كخطوة تعززنا نحو الإنتصار , و لا بالإنجرار لصدام مفتوح في الزمان أو المكان الذي يكون فيه العدو مستعداً بتحشيده العسكري , وبالحصار الجغرافي , وبالأدوات السياسية والدبلوماسية التي تضغط عادة باتجاه حصار الصدام ووقفه في الوقت المواتي . وخاصة اللوبي الرجعي العربي المطبع .
كثير من الكتبة على المواقع , وبعاطفية صادقة ينتظرون من غزة وقواها وخاصة حماس والجهاد والشعبية وبقية الفصائل المسلحة هناك , أن تتحرك فورا وبشكل أوتومتيكي لإطلاق الصواريخ بعيدا عن حسابات الدمار والخسائر والضحايا التي لن تكون سوى ثمن إضافي تدفعه غزة المحاصرة والمنهكة من حروب تدميرية استمرت لسنوات , بعض معاركها تجاوزت خمسين يوما , وبعضها كانت ضحاياه بالآلاف من شهداء وجرحى , عدا تدمير البنى التحتية والأبنية وغيرها .
طبعا لا يُقصد من هذا قبول معادلة التوجس والخوف والإرتداع . ولكن هذه مسائل تؤخذ بالحسبان في أي قرار يتعلق بخوض معركة عسكرية . وبديهي أيضا أن إعادة البناء والترميم وتركيم الإمكانيات تحتاج الى استراحة مقاتل بعيدا عن الإستنزاف الذي يطال المقاومة المحاصرة أكثر بكثير من الإحتلال الصهيوني . و لغزة حسابات سياسية , على قيادتها هناك أن تقررها استنادا لمعلومات , وليس لتقديرات شعبية غالبا ما تكون مبنية على تصورات غير دقيقة .
حرب الوجود التحررية المفروضة على شعبنا , تتجزأ الى معارك جغرافية وزمنية ايضاً , وهي في العادة عند كل الشعوب طويلة وعسيرة , ولكنها عندنا بالتحديد أكثر صعوبة و حتما ستكون أطول لإفتقادنا للعمق الجغرافي والعسكري والسياسي الذي حظيت به كل الشعوب التي تحررت . واستفراد الكيان بالضفة أساسه اتفاقيات أوسلو التي انتجت بالواقع حزاما أمنيا وغطاءً اقتصاديا و تفاهمات سياسية ترجمها الواقع الى ما دون حكم ذاتي رغم سبعين الف رجل أمن , مهمته ووظيفته التنسيق الأمني في خدمة الكيان والإستيطان . وهذا ليس تجني ولا اتهام لكل أعضاءه بالخيانة , بل هذا ملخص وجوده وانجازاته وتجربتنا به على مدى ثلاثين عاما من تجربة أوسلو ( لا أمن لفلسطيني واحد ولا لأعضاء الأمن الفلسطيني , وفقط للمستوطن والمستوطن التائه والحواجز العسكرية الصهيونية التي على مداخل كل مدينة وقرية و مخيم ).
إن الإستنجاد بغزة في كل صدام أمر معقول ومشروع , على أن يأتي بعد التوجه لبقية مكونات العمل الوطني والكفاحي في الضفة , على افتراض أن السلطة خيار ساقط من حسابات أي مواجهة , بغض النظر عن حالات فردية تتغنى بها السلطة في التصريحات الحزبية وليس الرسمية لأسباب تلميعية وتجييرية للحالة الكفاحية الطافية على سطح المرحلة , خوفا من عواقب صهيونية تمس مصالح المتنفذين .
إن خيارات الضفة في الإسناد الكفاحي أكثر جدوى وايلاما للعدو , أكثر الحاقا للخسائر البشرية والإقتصادية والإستيطانية وأكثر إصابة للبعد النفسي في الداخل الصهيوني . وهذا ما لابد أن يؤخذ في حسابات إدارة الصراع الإستراتيجي واليومي مع الكيان . ودلالة هذه الرؤيا هي اسباب اجتاح مخيم جنين لما يمثله من رأس حربة هذا التكتيك والإستراتيجية والتوجه . فمخيم جنين ونابلس وما يجري في شمال الضفة لن يكون نموذجا غزّياً في الضفة لأسباب موضوعية . بل مقدمة لفهم تفاصيل الصراع ومفاصله واسترتيجيته القائمة على توسيع الإستيطان وسياسة الضغط والتهجير القسري والطوعي لأسباب غياب الأمن بكل مستوياته , وبالتالي لبلورة ما يناسب الوضع من آليات تجهض المشروع وتجعل منه خاصرة رخوة للإحتلال .
ليست غزة من ستحرر الضفة ولا الجنوب اللبناني , بل تطوير الحالة الكفاحية في الضفة , واستراتيجية الصدام المفتوح في الضفة بعيدا عن رهانات تغيير جوهر وطابع الإحتلال وأهدافه وعنصريته وفاشية سلوكه . أما غزة وغيرها في الرصيد الدائم الذي يجب أن لا نستنزفه , أو ينضب قبل اكتمال نضوجه لمهامه .
كفوا عن جلد غزة ..
2023-07-09