الليبراليَّة والليبراليّون وبؤس الخاتمة!
سعود قبيلات
وُلِدَتْ الليبراليَّة – كما هو معروف – في أوروبَّا عصر النَّهضة، قبل قرون، كتيَّار ثوريّ تقدّميّ، يطرح شعارات الحريَّة والدِّيمقراطيَّة والمساواة والتَّنوير والعلمانيَّة، في مواجهة الاقطاع وقيمه الأرستقراطيَّة المتخلِّفة. لكن ما إن اندحر الاقطاع، وأصبحت البرجوازيَّة في السُّلطة واستحوذتْ على وسائل الإنتاج والثَّروة، حتَّى تبيَّن أنَّ الحريَّة الَّتي ينشدها الليبراليون هي حريَّة الرَّأسماليين في استغلال العمّال والفلّاحين، وحريَّة السُّوق الَّتي هي أشبه ما تكون بشريعة غاب؛ أمّا الدِّيمقراطيَّة، بالنِّسبة لهم، فهي النِّظام السِّياسيّ الَّذي يرعى المنافسة بين مصالح رأس المال الكبير ويحشد قواه للدِّفاع عمَّا هو مشترك مِنها.. وهذه، بالتَّأكيد، ليست حكمَ الشَّعبِ الَّذي يزعمونه.
ولذلك، فقد كان التَّمتّعُ بحقّ الاقتراع، في العديد من البلدان الأوروبيَّة المتقدِّمة، مقصوراً، على الأثرياء فقط، حتَّى أوائل القرن الماضي؛ كما كانت المرأة محرومة منه في مختلف أنحاء أوروبّا والغرب. والأمر، نفسه، كان ينطبق على الأقليَّات العرقيَّة في بعض تلك البلدان (الزُّنوج، في الولايات المتَّحدة، على سبيل المثال).
وفقط، تحت تأثير الأفكار الاشتراكيَّة، الَّتي انتشرتْ في أوروبّا في القرنين التَّاسع عشر والعشرين كردٍّ جذريّ على الاستغلال الرَّأسماليّ البشع، وخصوصاً بعد انتصار ثورة تشرين أوَّل (أكتوبر) الاشتراكيَّة السُّوفييتيَّة الَّتي بادرت بإعطاء المرأة حقوقاً غير مسبوقة وأشركتها في أوَّل حكوماتها مِنْ خلال ألكسندرا كولنتاي الَّتي أصبحتْ أوَّل وزيرة في التَّاريخ في العام 1917 – اُضطُرَّت الدُّول الأوروبيَّة (والغربيَّة، عموماً) لجعل حقّ الاقتراع حقّاً عامّاً، ومنحته أيضاً للمرأة؛ تمَّ ذلك في الولايات المتَّحدة، على سبيل المثال، عام 1918؛ وفي فرنسا عام 1945؛ وفي سويسرا عام 1971. وبعد ذلك، انتشر هذا الحقّ في مختلف أنحاء العالم.
وهذه العدوى «السُّوفييتيَّة» تكرَّرتْ، لاحقاً، في مختلف المجالات، بما فيها المجال الاقتصاديّ؛ حيث جاءت السِّياسة الاقتصاديَّة «الكنزيَّة»، في أميركا، والدِّيمقراطيَّة الاشتراكيَّة، في أوروبّا، كردّ على تحدّي المنافسة السِّياسيَّة والأيديولوجيَّة مع الاتِّحاد السُّوفييتيّ.
وما إن انهار الاتِّحاد السُّوفييتيّ في مطلع تسعينيَّات القرن الماضي، حتَّى راحت المراكز الرَّأسماليَّة الدَّوليَّة تستعيد ما قدَّمته مِنْ تنازلاتٍ تحت ضغط المنافسة معه، وعادت إلى صيغتها السَّابقة الأكثر تعبيراً عن جوهرها الحقيقيّ (الليبراليَّة المتوحِّشة)، كما أنَّها عادت إلى اتِّباع سياسات البوارج الحربيَّة، والإملاءات المتغطرسة، والحروب العدوانيَّة، والاستعمار المباشر، والنَّهب والاستغلال، بلا حدود أو ضوابط؛ وهو ما قاد إلى الأزمة الاقتصاديَّة الطَّاحنة والمتفاقمة، الَّتي تشهدها الآن، والَّتي لا سبيل إلى حلِّها.
وقد شهدنا، ابتداء مِنْ تسعينيَّات القرن الماضي، كيف تمَّ، على صعيد العالم كلّه، تعميمُ وصفة من القوانين والتَّنظيمات الَّتي تحدّ من دور النَّقابات العمَّاليَّة، وتقلِّص الحقوقَ والمكتسبات والحريَّات العمَّاليَّة (والشَّعبيَّة). وبالمقابل، تكرِّس حقوقاً جديدةً وإضافيَّةً لصالح الشَّركات المتعدّية الجنسيّات.
وهكذا، تبيّن أنَّ الحقوق والمكتسبات الَّتي حصلت عليها الفئات الشَّعبيَّة والعمَّاليَّة سابقاً، لم تكن سوى تنازلات مؤقَّتة قُدِّمت في سياق الحرب الباردة.
على أيَّة حال، نحن نشهد الآن وقائع فشل مشروع الليبراليَّة الجديدة، بعدما خرَّب ودمَّر على نطاقٍ واسع في الكرة الأرضيَّة كلِّها، وولَّد من الحروب والصِّراعات الدَّمويَّة ما لم يشهده عصرٌ مِنْ قبل، وأفقر وجوَّع جموعاً هائلة من البشر؛ وفي مقدِّمة ضحاياه، الوعي والفكر؛ بل، أيضاً، الفنّ والأدب، وكذلك، السِّياسة، نظريَّةً وممارسة.
أمَّا في بلادنا العربيَّة، فلم تتمكّن الليبراليَّة مِنْ أنْ تكون ثوريَّة وتقدميَّة.. إلا في فترات محدودة وبشكلٍ خجول وساذج، في بدايات القرن الماضي؛ لأنَّها وصلتْ إلينا في أوج سيطرة نمط الرَّأسماليَّة المتوحِّشة، وفي ذروة استشراء التَّوسّع الاستعماريّ، ورسوخ الخاصيَّة الاستقطابيَّة للنِّظام الرَّأسماليّ الدَّوليّ.
ومنذئذٍ، أصبحت الثَّورة، في أطراف النِّظام الرَّأسماليّ الدَّوليّ، تعني الكفاحَ مِنْ أجل التَّحرّر الوطنيّ وإنهاء التَّبعيَّة وتحقيقَ الاشتراكيَّة. ولم يعد ممكناً إنجاز برنامج التَّحرّر الوطنيّ إلا بتجاوز الرَّأسماليّة. وهذا في حين أنَّ أعظم غايات الليبراليَّة هي تعزيز حريَّة السُّوق ورأس المال العابر للجنسيَّات في التَّحكّم بالشُّعوب والبلدان، واستغلالها، ونهب ثرواتها؛ الأمر الَّذي يعني، في المحصِّلة، استمرار التَّبعيَّة وتعزيز الظُّلم الاجتماعيّ إلى ما لا نهاية.
وبالاستناد إلى هذا التَّحوّل الطَّبقيّ والسِّياسيّ العميق، أصبحت قيم العلمانيَّة والتَّنوير والحرّيَّة والنَّهضة الوطنيَّة (والقوميَّة) مجرَّد كلمات في الهواء بالنِّسبة لليبراليَّة العربيَّة، وأصبح دورها الحقيقيّ ينحصر في التَّناغم مع مقتضيات مصالح (وأطماع) المراكز الرَّأسماليَّة الدَّوليَّة. ولذلك، ينظر الليبراليّون العرب إلى كلّ خطاب يتحدَّث عن استقلال الدُّول وسيادتها والتَّحرّر الوطنيّ والاعتماد على الذَّات والتَّنمية المتحورة على المصالح الوطنيَّة، وإلى الحديث عن مصالح الفئات الشَّعبيَّة وحقوقها، على أنَّه خطاب «خشبيّ» عفا عليه الزَّمن!
عادت الليبراليَّة، مجدّداً، بصيغتها المتوحِّشة، في بداية القرن الحاليّ، بعد انهيار الاتِّحاد السُّوفييتيّ وانتشار موجة الأمركة (بمسمَّى العولمة) على وقع الحروب الإمبرياليَّة في العراق وأفغانستان ويوغسلافيا. حيث أعلن قسمٌ من اليسار العربيّ استسلامه لخصمه السَّابق، وحمل راية الليبراليَّة.. كما لو كانت فتحاً جديداً، وأصبح يرطن بمفرداتها، خالطاً بينها وبين الدِّيمقراطيَّة، عن جهلٍ.. أحياناً، وعن عمد.. أحياناً أخرى. لكنّها انكشفتْ بسرعة بعد الهزائم التي تلقَّتها الإمبرياليَّة الأميركيَّة في العراق وأفغانستان، والأزمات الاقتصاديَّة العميقة المتلاحقة الَّتي ألمَّت بمراكز النِّظام الرَّأسماليّ الدَّوليّ، واتِّضاح فشل التَّطبيقات الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة الليبراليَّة في أطراف هذا النِّظام وما سبَّبته مِنْ ويلات وكوارث لغالبيَّة النَّاس في مختلف أنحاء العالم.
والآن، عندما أرى بعض الليبراليين العرب، يخونون قيم التَّنوير والعلمانيَّة بسهولة، فيصفِّقون لانتصارات «جبهة النُّصرة» وشقيقاتها في سوريَّة، ويصطفّون مع «الإخوان المسلمين» والسَّلفيين في مصر وتونس وليبيا، أدركُ مدى بؤس الخاتمة الَّتي انحدر إليها هذا التَّيَّار السِّياسيّ والفكريّ القديم.
وهذا، طبعاً، عدا عمَّا هو معروف مِنْ أنَّ السِّياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة هي الَّتي تخلق الحواضن الملائمة لإنبات الفكر التَّكفيريّ وتوالد التَّكفيريين.
2024-12-25
