وعي سبب الفقر، وأن الثورة طريق التخلص منه هي التي تحوله إلى وقود لتعبئة الفقراء بالثورة. ليس الفقر هو الذي يحول الفقراء إلى ثوار، بل وعيهم بأن الملك المستبد الفاسد وعائلته يسرقونهم، وتطوير هذا الوعي ليس مهمة للفقراء ينجزوها مع آلام فقرهم وأنينهم، بل هي مهمة فئة قادرة على التأثير على وعي المواطنين، ولا يزيد حجمها عن واحد بالألف، ونصفهم يتم إسكاته أو حرف بوصلته بالعديد من الوسائل.
الفقر بحد ذاته حقيقة موضوعية محايدة في الصراع السياسي في أي مجتمع، لكن الذي يوظفه ويصوغ للفقراء صورتهم عن أنفسهم هو ما يحول الفقراء إلى متسولين خانعين أو إلى ثوار. الحقيقة أن أحد أخطر المسائل في الأردن، ليس وجود الفقر، ولكن طريقة صياغة وعي الفقراء لفقرهم، وطريقة تصويرهم للعالم.
الحقيقة المرة هي نجاح المستبد الفاسد بتوظيف الفقر لتعزيز النمط الاستعماري للحكم في الأردن. إذ نجح الملك وعائلته بإقناع العالم بأطروحتهم أن الشعب الأردني الفقير الجاهل المتخلف عاجز عن حكم نفسه، وسوف يدمر نفسه إذا غاب المستبد الفاسد وعائلته، وهذه الاطروحة تتطلب وجود الفقراء المتسولين، فهم أفضل وسيلة حتى يحصل الملك الفاسد وعائلته على المساعدات الدولية التي يسرقونها عبر منظماتهم الخيرية، بحجة وجود الفقراء العاجزين المتسولين غير المنتجين، والفقراء الغاضبين الذين تحولوا إلى مسارات وخيارات جرمية لتحصيل بعض حقوقهم منحوا المستبد الفاسد تواطؤ العالم تجاه جرائمه.
من الضروري تجنب دعوة الفقراء للثورة، وبدلاً من ذلك يجب توضيح حقوقهم التي سرقها الملك وعائلته، وتقديم وسائل استردادها بطريقة (غير جرمية) ولا تتناقض مع القيم العليا، وحضهم على عدم التسول، وحثهم على العمل على انتزاع حقوقهم بالمواجهات الصغيرة.
لا توجد حاجة استراتيجية لتأطير استجابة الفقراء لفكرة المواجهة بقالب واحد، بل من الضروري منحهم الفرصة ليبدعوا وسائلهم وطرقهم الخاصة، بمواجهة المستبد الفاسد وعائلته. ومن الضروري مساعدة الفقراء على اكتشاف فاعلية المواجهات الصغيرة، التي وإن لم تكن حاسمة في زمان قصير وعلى نطاق واسع، ولكن اكتشافهم حقيقة أن هناك بديلاً للتسول والتوسل أكثر جدوى وأكثر أخلاقية، ويحافظون به على كرامتهم وكبريائهم وقيمهم العليا، سوف يقومون بعد ان يقتنعوا بهذا البديل بالبحث عن طريقة تطبيقه بشكل يناسبهم.
الفقر نقطة اسناد للخطاب التعبوي الثوري، ولكنه لا يصنع الثورة بشكل تلقائي، والقول بوجود فقراء لا يبرر الثورة ولا يضمن حصولها. لقد عاش شعبنا فقراً مدقعاً لعقود، ولم يبادر الفقراء بالثورة، بل بادر بها زعماء محليون بشراكة كل الفئات الاجتماعية.
إن أهم رافعة لإنجاز الثورة هو صياغة مشروعها بإطار فكري واضح، وقالب تنظيمي وسياسي، يرشد الجميع إلى بوابة عبور نحو مستقبل بديل، وخطاب تعبوي يقنع الفقراء بان التسول والتوسل يديم فقرهم وإن أشبعهم ليوم او يومين، وان هناك بديل للخضوع واستجداء الحقوق.
من الضروري التخلص من الخطاب المبتذل الذي يقلل من كلف المواجهة والتمرد، واستبداله بخطاب يرتكز إلى توضيح وتعظيم مكاسب التغيير. محاولة تعبئة الفقراء بمخاطبتهم أن “ليس لديهم ما يفقدونه إلا جوعهم وأغلالهم”، خطاب لم يعد ينسجم مع الوسائل الحديثة للهيمنة وترويض الجائعين، إذا اقتنع الفقراء بوجود مكاسب ما وراء الأفق سوف يسعون إليها، وسوف يبدعون أهازيجهم واغانيهم التي تبدد خوفهم وتمنحهم الشجاعة، والمطلوب أن تقدم لهم صورة المستقبل وطريق الوصول إليه، وبوابة بدء المسير على تلك الطريق، وبرنامج واضح يضمن أن يغادر الفقراء فقرهم من خلال الدولة الجديدة التي سيتم تحريرها واستردادها من المستبد الفاسد.
تعبئة الفقراء بالعمل على تحقيق مستقبل بديل لا تتعلق بالثورة فقط، بل يمكن ان تكون من خلال العديد من أشكال العمل المدني، بما فيها الانتخابات. ولكن مع تزوير الانتخابات بشكل مزمن في الأردن، وتورط المستبد الفاسد بتجميع كل السلطات بين يديه، جعل فرص التحرر من الفقر عبر الانتخابات ودون التمرد والمواجهة عملية مستحيلة، والدليل هو نسبة المقترعين في الأردن، مما يعني ان شعبنا بكل فئاته -وبالذات فقرائه- ينتظرون دعوة مقنعة غير المشاركة بانتخابات لا معنى لها.
بقي أن نشير إلى أن الثورة المعاصرة في الأردن كما في بقية العالم العربي -وربما العالم الثالث كله- ليست ثورة جياع وفقراء، بل هي ثورة الطبقة الوسطى التي تتحالف مع كل الفقراء، وجزء مهم من الطبقة الرأسمالية التي ترى -كما بقية الفئات الشعبية- ضرورة التخلص من الاستبداد والفساد. لذلك فإن المطلوب حتى يتم استقطاب الفقراء، تطوير برنامج وطني حقيقي لمكافحة الفقر عبر نهضة اقتصادية شاملة، ونشره للجميع وليس للفقراء فقط، باعتباره هو البديل عن ذلهم وتسولهم واخضاعهم لما يجود به الفاسدون من اعطيات، ودعوتهم للمشاركة في بناء الدولة التي ستنفذ هذا البرنامج، ليس لمحاربة الفقر فقط، ولكن لتحرير الاقتصاد الوطني ككل، وسوف يطور الفقراء أغانيهم ورقصات كبريائهم كمشاركين بالتغيير، كما أنهم سيشاركون الجميع تراتيل أحزانهم على شهدائهم.
أخيراً، لقد نجح المستبد الفاسد وعائلته حتى الآن بتوظيف الفقر لعزل الشعب الأردني، وتعزيز حكمه بتصوير فقراء الأردن على قطبي الخيارات؛ إما متسولين متوسلين للحصول على بعض حقوقهم، أو غاضبين فاقدين للرشد والخيارات العقلانية. والبديل هو مشروع للمستقبل، يوضح مكاسب الفقراء، ويمنحهم فرصة الحفاظ على كرامتهم وكبريائهم عبر انخراطهم بمشروع استرداد الدولة سلطة وموارد، للحصول على حقوقهم كمواطنين احرار دون تسول وتوسل، ودون خيارات غير عقلانية.