[الفتنة اذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء]!
![[الفتنة اذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء]!رنا علوان 1 rana](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2023/05/rana-150x150.jpg)
رنا علوان
لقد باتت المجتمعات العربية اليوم تعاني من شرخ كبير في الثقة ، فلا شيء موزون لا الدولة ولا الأمة ولا بعض النُخبة ، ولا الايدولوجيات ولا حتى المُسلّمات
تعصف فيه الشائعات ذات اليمين وذات الشمال ، لا شيء من المسميات تبدو ذات صلابة حتى يعتصموا بها
لقد حط اليأس رحاله في النفوس فأطفأها ، بعد ان كانوا خير امة اخرجت للناس ، تأمر بالمعروف وتنهي عن المُنكر ، ثم فجأة تهاوى كل شيء أمام أعينهم ، وخرجت من بين الغبار كائنات متوحشة قبيحة ، تمتص أحلامهم ومستقبلهم
لقد اخذت العولمة مأخذها منا ، ودخلت ايادي الشياطين الغربية مجتماعتنا حتى توغلت ، منهم من تولى الامور الدينية ومنهم من تولى الامور الثقافية والمجتمعية ومنهم من تولى الامور الاقتصادية ، حتى تم تشويهها
ولعل اكثر ما نواجهه من تحدي لهذه الحالة من اليأس والقهر واللايقين ، هي في فترة الحروب المفروضة علينا في جميع اشكالها واوجهها ، حيث تنشط فيها هذه الآفة ، وهي التي يطلق عليها القرآن اسم الفتنة
فالفتنة في بعض سياقاتها القرآنية ليست الاحتراب والخلاف والقتل ، كما هو مدلولها في الثقافة الشعبية والخطاب التقليدي
بل هي أشد من ذلك وأكبر ، فالحديث القرآني يخبرنا أن “الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ”. البقرة 191 ، “وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ” البقرة 217 ، فهي على أغلب تقدير ما يصل بالإنسان إلى حالة من الشعور بالقهر والتيه وفقدان اليقين ، اي قتل العزيمة والثقة حتى يبلغ حد التخوين وسوء الظن
فإذا الفرد منا وقع فريسة فتنةٍ لا قبل له بها ، جراء ظروف قاهرة يقبع تحتها نتيجة ابتلاء او امتحان ، فقد الأمل واليقين
والفتنة لها صُناعها ، فلا تولد من سراب ، وأصحاب الفتن هم بالدرجة الاولى الخونة “القتلة” من أصحاب السلطة والمال والتمكين الذين يلقون الناس في أخاديد القهر واليأس وفقدان اليقين
القاعدون على عروشهم ، يشهدون مذابح المؤمنين ، ويعملون على تأجيجها عبر طوابيرهم كي لا يفقدوا عروشهم ولو كلفهم ذلك اراقة الدماء
ولقد أبدى القرآن اهتمامًا كبيرًا في هذا السياق ، فتوعد الفتانين بالعذاب الشديد “إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ” البروج 10
وأمر بصدهم “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ” البقرة 193
أي قاتلوهم حتى تمنعوا طغيانهم ومصادرتهم للحقوق والحريات ، ويكون الدين شأنًا إلهيًا خالصًا وليس باب من ابواب دخول الفتن والإقتتال وإثارة النعرات
ان القرآن بدعوته لنا ، لمواجهة الطغيان والفتانين يرتفع بحقوق الإنسان من مستوى الحق إلى مستوى الواجب ، وليس هناك شريعة دينية أو وضعية ارتفعت بحقوق الإنسان إلى هذا المستوى
إنه قتال في سبيل الحقوق والحريات ، بل في سبيل الإنسان نفسه ، وليست هناك شريعة دينية أو وضعية ارتفعت بحقوق الإنسان إلى هذا المستوى ، فما بالكم إذا عرفتم أن المبدأ الذي تقوم عليه منظومة الحقوق السياسية والمدنية الحديثة ، هي فارغة ، وان الحقيقة ، هي مبدأ ديني لا فلسفي ، فلا يوجد في الفلسفة ما يبرر هذا المبدأ ، وذلك ما ينبغي أن يدركه المسلمون اليوم ، حتى لا يجعلوا القرآن نصيرًا للطغيان على الإنسان
وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللّـٰهِ جَـمِيْعًا وَّلَا تَفَرَّقُوْا ۚ وَاذْكُرُوْا نِعْمَتَ اللّـٰهِ عَلَيْكُمْ اِذْ كُنْتُـمْ اَعْدَآءً فَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوْبِكُمْ فَاَصْبَحْتُـمْ بِنِعْمَتِهٓ ٖ اِخْوَانًاۚ وَكُنْتُـمْ عَلٰى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَاَنْقَذَكُمْ مِّنْـهَا ۗ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّـٰهُ لَكُمْ اٰيَاتِهٖ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ (103)
لقد ظلم هؤلاء الحكام واستبدوا من اجل نهب الأموال ، وعاثوا في الأرض فسادًا وإفسادًا ، فزرعوا الجواسيس ، وسلطوا الجاهل على العالم ، والمنافق على المؤمن ، والكاذب على الصادق ، والظالم على العادل ، والجبان على الشجاع، والأرعن على الرزين، والفاشل على المبدع، والكسول على المجتهد، والأحمق على الذكي ، وفتحوا لهؤلاء المنابر واعطوهم الوسيلة ، ظنًا منهم انه خدمة لمصالحهم ، الا انها في الحقيقة خدمةً للعدو على طبقٍ من فضة
لذلك نجد كيف ان ابواق الفتنة لا رادع لها ، بل العكس تُنصف ويُضطهد من يتصدى لها
لذلك على كل شخص سوي ان يردأها بما أوتي من قوة ، نعم قظ يحدُث أن تفر من الفتنة فيلاحقك أهلها وأنت كاره للخوض فيها ” إن ناقدت ناقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك ، وإن هربت منهم أدركوك….”
فصبرٌ جميل والله المُستعان
إن دعاة الفتنة يظنون أن الجو سيخلو لهم إذا تحقق لهم مرادهم في إشعال فتيل الفتنة بين ابناء المجتمع الواحد والدين الواحد ، وهم لا يعلمون أنهم بما يفعلون يقوضون ركنا ركينا في بناء إذا سقط وانهار فسيكونون أنفسهم بين ضحاياه ـ إنه عمى القلوب والأبصار
2023-11-05