العسكرية الأمريكية تفقد هيبتها فى إيران!
مصطفى السعيد
كان استنزاف الذخيرة من أهم أسباب طرح الولايات المتحدة إعلان هدنة في الحرب على إيران، وأهم الذخيرة التي شارفت على النفاد صواريخ توماهوك وثاد وباترويت، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي ترامب إلى عقد اجتماع مع مسئولي كبريات شركات السلاح الأمريكية ليطلب منهم زيادة الإنتاج أربعة أضعاف، ولأن هذا الطلب يحتاج إلى الكثير من الوقت والاستثمارات، فقد طلبت الإدارة الأمريكية مشاركة شركات السيارات في تصنيع الأسلحة والذخائر. هذا التوجه يطرح أكثر من سؤال حول قدرات المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، واستعدادات القوات الأمريكية للحرب على إيران، وما إذا كانت قادرة على خوض حروب أخرى، أو مواصلة الحرب بعد تمديد الهدنة. وكيف تعاني القوات الأمريكية من نقص الذخيرة، وهي صاحبة أكبر موازنة عسكرية في العالم، تتجاوز 900 مليار دولار، بما يزيد على إجمالي موازنات الصين وروسيا والهند ودول غرب أوروبا مجتمعة؟
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين قد أعرب عن مخاوفه من شن حرب واسعة لضرب إيران، محذرا من نقص الذخائر، لكن الرئيس ترامب اعتقد أن بإمكان القوات الأمريكية حسم الحرب خلال يومين أو ثلاثة، ولهذا تجاهل تحذير رئيس الأركان، لتنشب خلافات جديدة مع جنرالات البنتاجون حول شن حرب برية، وجرى إقالة رئيس أركان القوات البرية على إثرها.
كيف لأقوى دولة في العالم، وبأضخم ميزانية، وبمشاركة إسرائيل، أن تعاني نقصا في الذخيرة في الحرب على إيران؟ لم يكن هذا الخلل هو الوحيد، وكان جرس إنذار دق في العام الماضي عندما تعرضت حاملة الطائرات الأمريكية «هاري ترومان» لهجمات من الحوثيين جنوب البحر الأحمر باستخدام طائرات مسيرة، تسببت في فقدان طائرتين من طراز إف 18، كما اضطرت حاملة الطائرات الأمريكية «جورج بوش» أن تغير مسارها الأسبوع الماضي لتتجنب العبور من البحر الأحمر وباب المندب، خشية تعرضها لهجمات من الحوثيين، وتسلك طريقا طويلا عبر رأس الرجاء الصالح، ليظهر أن مفخرة القوات البحرية الأمريكية غير آمنة على سلامتها من جانب قوات خارج التصنيف العالمي للقدرات العسكرية.
أين يكمن الخلل؟ هناك ظاهرة خطيرة تمس تطور الشركات الأمريكية عموما، وتكمن في أن أعينها تركز على أسعار أسهمها، ولهذا تعمل على رفع معدل الأرباح على حساب الاستثمار في التطوير، ولأن المجمع الصناعي العسكري مكون من شركات خاصة، فإنها تمارس نفس السلوك، كما تركز على صناعة الأسلحة باهظة الثمن، لأنها تحقق عائدا أكبر، وتتجاهل الاستثمار في صناعة الأسلحة الرخيصة مثل الطائرات المسيرة الصغيرة، وكذلك تأخرت في صناعة الصواريخ الفرط صوتية، لتسبقها كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في هذا المجال، وفي المقابل كانت إيران تنتج أسلحة تناسب قدراتها المالية وجغرافيتها، وركزت على تطوير الطائرات المسيرة والصواريخ الفرط صوتية، وتمكنت من الصمود أمام أكبر قوة عسكرية في العالم، ومنعتها من تحقيق أي من أهدافها، وهو ما يطرح علامة استفهام كبيرة حول فاعلية القوات الأمريكية، وما إذا كانت قادرة على محاربة دول أقوى مثل الصين أو روسيا، خاصة في ظل التصعيد بين أمريكا والصين، على إثر اتهامات أمريكا للصين بتزويد إيران بأسلحة وذخائر، ومحاولة منع السفن الصينية من شحن البترول من إيران، وتحذير وزير الدفاع الصيني من انتهاك حق الصين في تنفيذ اتفاقية تجارية مع إيران، ورفض الامتثال للحصار البحري الأمريكي لشواطئ إيران.
فقدت القوات الأمريكية الكثير من هيبتها خلال حرب الأربعين يوما على إيران، وكشفت عن نقاط خلل هيكلي في بنيتها العسكرية والإدارية، فقد انسحبت حاملتا طائرات بعد تعرضهما لإصابات، وفشلت عملية إنزال قرب مفاعل أصفهان، وتخشى القطع البحرية الأمريكية التعرض لهجمات بالمسيرات أو الصواريخ، وتبتعد عن شواطئ إيران نحو ألف كيلو متر، مما أفقدها الكثير من فاعليتها.
لقد شن الرئيس ترامب حربا تجارية بعد تسلمه الحكم ولم تحقق ما كان يأمله، ولجأ إلى القوة العسكرية، واستبدل اسم وزارة الدفاع بوزارة الحرب، وأعلن إعادة مبدأ مونرو، لاستعادة السيطرة على أمريكا الجنوبية، وهدد باحتلال جرينلاند، وحقق نصرا سهلا في فنزويلا بعملية خاطفة، لكنه تعثر أمام إيران في أول اختبار حقيقي لقدرة القوات الأمريكية في الهيمنة على منابع الطاقة، لتكون منطلقا نحو استعادة القوة الاقتصادية، وعندما تفشل القدرة العسكرية، تكون الولايات المتحدة قد فقدت أهم أعمدة قوتها، ويصبح أفولها قادم لا محالة.
2026-04-22