إسبانيا تطالب الاتحاد الأوروبي بإنهاء اتفاق الشراكة مع إسرائيل!
تواصل الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز بناء نهج سياسي مناهض لعدوانية الولايات المتحدة وإسرائيل وتبدو متجهة لاتخاذ خطوات عملية تثير جدلاً في الاتحاد الأوروبي
سعيد محمد*
في تطور ملفت، أعلن بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني (الأحد) أن حكومته ستقدم رسمياً اليوم (الثلاثاء) مقترحاً إلى الاتحاد الأوروبي يطالب بفسخ اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل عام 1995، والتي دخلت حيز التنفيذ في يونيو عام 2000.
وقال سانشيز مشيراً إلى الدولة العبرية خلال تجمع انتخابي في إقليم الأندلس: “حكومة تنتهك القانون الدولي، وبالتالي تنتهك مبادئ وقيم الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن تكون شريكاً للاتحاد. الأمر بهذه البساطة”.
وأضاف أن إسبانيا “صديقة لإسرائيل” لكنها لا تتفق مع تصرفات حكومتها، داعياً دولاً أوروبية أخرى لدعم المقترح الذي سيطرح في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بلوكسمبورغ.
ويستند الموقف الإسباني إلى “المادة الثانية” من اتفاقية الشراكة، التي تشترط احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية كشرط أساسي لاستمرار الامتيازات الاقتصادية والسياسية. وتقول مدريد إن إسرائيل خرقت هذا الشرط عبر ممارساتها في قطاع غزة.
وتعود جذور التوتر بين إسبانيا وإسرائيل إلى الحرب العدوانية التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد القطاع الفلسطيني رداً على هجوم السابع من أكتوبر 2023. ومنذ ذلك الحين، اتخذت مدريد خطوات تصعيدية شملت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفرض حظر على تصدير الأسلحة للدولة العبرية، وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي.
وتلقى الموقف الرسمي الإسباني دعماً شعبياً، حيث جمعت مبادرة “العدالة لفلسطين” أكثر من مليون توقيع تطالب الدول الأعضاء في الاتحاد بقطع اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، متجاوزة الحد الأدنى الذي يلزم المفوضية الأوروبية بدراسة القضية. ويشهد الشارع الإسباني، كما قطاعات واسعة من المجتمع المدني، النقابات، والقوى اليسارية حالة من الاحتقان العارم ضد ما يوصف بـ “الوحشية الإسرائيلية” والغطرسة الإمبريالية الأمريكية.
وكانت إسبانيا قد قادت مع أيرلندا وسلوفينيا جهوداً لمراجعة اتفاقية الشراكة، وحظيت بدعم كل من بلجيكا وفنلندا وفرنسا والبرتغال والسويد ولوكسمبورغ، في حين عارضتها ألمانيا، واليونان، وإيطاليا، وهنغاريا، وقبرص، وليتوانيا، وبلغاريا، وكرواتيا.
ووافق الاتحاد الأوروبي في مايو 2025، على مراجعة الاتفاقية، وبعد شهر أعلنت المفوضية الأوروبية وجود “مؤشرات” على انتهاك إسرائيل لالتزاماتها بحقوق الإنسان، لكنها لم تقترح أي إجراءات عملية.
وتمثل الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل قيمة اقتصادية كبيرة، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري أكثر من 45 مليار يورو سنوياً، وتعد إسرائيل أكبر سوق لصادرات الدفاع الأوروبية بنسبة 54%. وأي تعليق أو فسخ للاتفاقية سيكون له بالضرورة تبعات اقتصادية.
وتعكس الأزمة انقساماً أوروبياً عميقاً تجاه إسرائيل. فبينما تقود إسبانيا وفرنسا المواقف الناقمة، تحتفظ دول وسط وشرق أوروبا (هنغاريا وبولندا ودول البلطيق) بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، وتعتبرها شريكاً أمنياً وتقنياً مهماً.
ويقول خبراء إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتبع لسنوات سياسة “فرق تسد” داخل الاتحاد الأوروبي، مستغلاً الفيتو الهنغاري الجاهز دوماً لتعطيل أية قرارات موحدة ضد إسرائيل. لكن سقوط رئيس الوزراء فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة قد يغير هذه المعادلة.
هذا وانسحب الخلاف الإسباني مع تل أبيب حكماً إلى واشنطن. فمع انطلاق العدوان العسكري الأمريكي/ الإسرائيلي ضد إيران في فبراير/شباط الماضي، منعت إسبانيا استخدام قواعدها العسكرية (روتا ومورون) لعمليات القوات الأمريكية، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الاستراتيجية المتجهة إلى الشرق الأوسط، وسحبت دبلوماسييها.
ورد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” قائلاً: “هل نظر أحد إلى مدى سوء أداء إسبانيا؟ أرقامها المالية، رغم مساهمتها شبه المعدومة في الناتو ودفاعها العسكري. إنها مروعة حقاً، ومن المحزن مشاهدتها!!”
وكان ترامب قد صرح في مارس/ آذار الماضي بأنه طلب من وزير الخزانة “قطع جميع التعاملات مع إسبانيا”. وحذر خبراء من أن استمرار الخلاف مع واشنطن قد يعرض إسبانيا لعقوبات اقتصادية أمريكية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإسباني من تحديات كبيرة.
وعلى صعيد متصل رفعت المنظمة الإسرائيلية “شورات هادين” شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية اتهمت فيها سانشيز بارتكاب “جرائم حرب” من خلال صادرات تقنية إلى إيران.
وتزعم المنظمة أن الحكومة الإسبانية وافقت بين عامي 2018 و2024 على صادرات بقيمة 7.2 مليون دولار من تقنيات مزدوجة الاستخدام، شملت مفجرات ومتفجرات ومواد كيميائية وأدوات تحكم دقيقة وآلات تصنيع يمكن استخدامها في إنتاج الصواريخ والمسيّرات.
وبحسب الشكوى، بلغت قيمة هذه الصادرات في عامي 2024 و2025 حوالي 1.5 مليون دولار، تم تسليم 70% منها إلى شركات حكومية أو شبه حكومية إيرانية.
ونفت الحكومة الإسبانية هذه الاتهامات، لكن المعارضة اليمينية بزعامة سانتياغو أبا سكال – زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف – هاجمت سانشيز في البرلمان متهمة إياه “ببيع مفجرات ومتفجرات لإيران”.
في موازاة ذلك، بدأت مدريد بالتأسيس لبناء علاقات أوثق مع الصين. وخلال زيارة رسمية لبكين الأسبوع الماضي، قال سانشيز: “أجد صعوبة كبيرة في العثور على أطراف أخرى، إلى جانب الصين، يمكنها بالفعل حل هذه الأزمة (فيما يتعلق بتداعيات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران)”.
كما شاركت إسبانيا مع البرازيل والمكسيك في بيان مشترك السبت الماضي يعبر عن “القلق العميق إزاء الأزمة الإنسانية الخطيرة التي يواجهها الشعب الكوبي”، في خطوة اعتبرها مراقبون تعبيراً آخراً عن التموضع بعيداً عن السياسات الإمبريالية الأمريكية.
وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً خانقاً على كوبا وتمنع وصول النفط إليها منذ اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بداية يناير/ كانون ثاني الماضي، وهو ما تسبب بانقطاع الكهرباء والوقود وتوقف العمل في مستشفيات ومصانع ومؤسسات عامة.
ويتزامن النهج الإسباني الجديد في السياسة الخارجية مع أزمة داخلية لسانشيز، إذ وجه قاض في مدريد اتهاماً رسمياً لزوجته بيغونيا غوميز بالفساد واستغلال النفوذ واختلاس أموال، في وثيقة من 39 صفحة. كما يواجه شقيقه ديفيد اتهامات بقضية نفوذ منفصلة.
ويرى خصوم سانشيز أن تحركاته الخارجية تهدف إلى “صرف الانتباه عن فضائح الفساد”، ووصف بعضهم موقفه من ترامب بأنه “تسويق انتخابي بحت وليس نابعاً من قناعات”. لكن أنصاره يرون أن توقيت التحقيقات ليس بريئاً، ويلمحون إلى وجود أجندة يمينية داخلية مدعومة من قوى خارجية تهدف إلى الإطاحة بكل من يجرؤ على تحدي الهيمنة الأمريكية.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-04-22