إذا لم تنمُ الآن فسوف تبقى واقفًا في مكانك، وإذا بقيتَ واقفًا فسوف تندم!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ليست الحياة ساحةً تمنح مواقعها للمترددين، ولا الزمنُ نهرًا يتوقف انتظارًا لمن آثروا الركون إلى الضفة. فمن سنن الوجود أن كل ما لا ينمو يذبل، وكل ما لا يتحرك يتآكل، وكل من يرضَ بالوقوف طويلًا يكتشف، ولو بعد حين، أنه لم يكن ثابتًا كما ظن، بل كان يتراجع بصمتٍ موجع، ويخسر من عمره وفرصه وطاقته ما لا يمكن استرداده.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الفشل، بل الاعتياد على الجمود. فالفشل، على قسوته، قد يكون بدايةً للفهم، وعتبةً للنضج، ومنعطفًا نحو الصواب. أما الجمود فهو موتٌ بطيء، يأكل الروح من الداخل، ويطفئ جذوة الطموح، ويحوّل المرء إلى كائنٍ يراقب الحياة وهي تمضي، دون أن يكون له فيها أثرٌ يُذكر أو بصمةٌ تُستعاد. وما أكثر الذين ظنوا أن البقاء في المكان نوعٌ من الحكمة، فإذا به يتحول مع الأيام إلى عنوانٍ للخسارة المستترة.
إن النمو ليس ترفًا ذهنيًا، ولا زينةً إضافية في حياة الإنسان، بل هو جوهر وجوده ومعنى كرامته. أن تنمو يعني أن تتجاوز صورتك القديمة، وأن ترفض أن تبقى أسير الأمس، وأن تمتلك الشجاعة لكي تعيد بناء نفسك كلما اكتشفت أنك تستحق الأفضل. والنمو لا يقتصر على المال أو المنصب أو الشهرة؛ فهذه مظاهر قد تأتي وقد تزول. أما النمو الحقيقي فهو أن يتسع عقلك، ويرتقي وعيك، وتصفو رؤيتك، وتشتد إرادتك، ويغدو حضورك في الحياة أكثر عمقًا وفاعلية ونبلًا.
الإنسان الذي لا يتعلم، يشيخ قبل أوانه. والذي لا يطوّر فكره، يعيش خارج عصره. والذي لا يجدد أدواته ورؤاه، يصبح عبئًا على نفسه قبل أن يكون عبئًا على محيطه. فالعالم لا ينتظر الكسالى، ولا يفسح الطريق لمن اختاروا النوم في يقظة الزمن. ومن يظن أن بإمكانه أن يبقى كما هو، في زمنٍ تتبدل فيه المعارف، وتتغير فيه الشروط، وتتجدد فيه وسائل الحياة والعمل، فإنه يخدع نفسه، لأن الثبات في عالمٍ متحرك ليس ثباتًا، بل تأخرٌ مؤكد، وانحدارٌ مقنّع.
كم من إنسانٍ أضاع أعوامه في دائرة التردد، وهو يحدّث نفسه بأن الفرصة ستأتي لاحقًا، وأن العمر ما يزال متسعًا، وأن الوقت لم يفت بعد. لكنه حين التفت وراءه وجد السنوات قد مضت، والأبواب قد تغيّرت، والقدرة التي أهملها قد ضعفت، والفرص التي استهان بها قد ذهبت إلى غير رجعة. وعند تلك اللحظة، لا يكون الندم على ما حدث فقط، بل على ما كان يمكن أن يحدث لو أنه امتلك شجاعة البداية. فالندم ليس سوى صوت العمر حين يعاتب صاحبه لأنه لم يُحسن الإصغاء إلى نداء التغيير في الوقت المناسب.
إن أشدّ أنواع الخسارة إيلامًا ليست خسارة المال، ولا خسارة المنصب، بل خسارة الذات حين تُهمل قابليتها على النمو، وتدفن إمكاناتها تحت ركام الأعذار. فالإنسان قد يُحرم من فرصٍ كثيرة، لكنه يظل قادرًا على أن يبدأ من جديد ما دام حيًّا من الداخل. غير أن الكارثة تبدأ حين يقبل أنصاف الحلول، ويرضى بأنصاف الأحلام، ويعتاد حياةً لا تليق بما أودعه الله فيه من طاقة وعقل وإرادة. عندئذٍ لا يعود العجز ظرفًا عابرًا، بل يتحول إلى نمط حياة، ويصبح التراجع قدرًا صنعه الإنسان بيديه.
إن البداية الحقيقية لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار. قرارٌ صادق وحاسم بأنك لن تبقى النسخة الباهتة من نفسك، وأنك لن تسلم أيامك إلى العادة القاتلة، وأنك ستخرج من سجن التأجيل إلى فضاء الفعل. اقرأ لتكبر، تعلّم لتتجدد، اعمل لتتقدم، صحح أخطاءك لتكتمل، وواجه خوفك لتتحرر. فكل خطوةٍ في طريق النمو، مهما بدت صغيرة، هي في حقيقتها انتصارٌ على الركود، وتمردٌ على العجز، وإعلانٌ داخلي بأنك جديرٌ بحياةٍ أكثر امتلاءً ومعنى.
ولا يختلف حال المجتمعات عن حال الأفراد. فالأمم التي تتوقف عن النمو الفكري والعلمي والأخلاقي، تتحول إلى كياناتٍ تستهلك ما ينتجه غيرها، وتعيش على هامش التاريخ بدل أن تصنعه. الأمة التي لا تستثمر في الإنسان، في عقله، في تعليمه، في وعيه، في حريته، وفي كرامة عمله، لا يمكن لها أن تنهض مهما كثرت شعاراتها وتعالت خطاباتها. ذلك أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، ومن إيمانه بأنه قادر على تجاوز ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون.
ومن الخطأ الفادح أن يظن أحدٌ أن النمو مرتبط بعمرٍ معين، أو بزمانٍ بعينه، أو بظرفٍ مثالي قد لا يأتي أبدًا. فكم من شابٍ أفسده الركون إلى السهل، وكم من رجلٍ أو امرأة أعادتهم الإرادة إلى الحياة بعد أن ظنوا أن قطار الفرص قد مضى. ما دام في القلب نبض، وفي العقل سؤال، وفي الروح توقٌ إلى الأفضل، فإن باب النمو يظل مفتوحًا. أما الذين ينتظرون الظروف الكاملة، فهم في الغالب لا يفعلون سوى إضاعة أعمارهم في انتظارٍ لا ينتهي.
إن الحياة لا تظلم أحدًا بقدر ما يظلم الإنسان نفسه حين يرفض أن ينمو. ومن أقسى ما قد يواجهه المرء في لحظة صدقٍ مع الذات أن يدرك أنه لم يكن عاجزًا كما كان يظن، بل كان مؤجِّلًا، مترددًا، خائفًا من كلفة التغيير. وحينئذٍ ينكشف له أن ما أضاعه لم يكن وقتًا فقط، بل كان جزءًا من ذاته الممكنة، من صورته الأجمل، من مستقبله الذي كان يستطيع أن يصنعه لو أنه بدأ حين كان ينبغي أن يبدأ.
لذلك فإن الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا مواربة هي هذه:
إذا لم تنمُ الآن فسوف تبقى واقفًا في مكانك، وإذا بقيتَ واقفًا فسوف تندم.
ستندم لأن العالم لم يتوقف، ولأن العمر لم ينتظرك، ولأن الفرص لا تُقيم طويلًا على أبواب المترددين. ستندم لأنك رضيت بالقليل وأنت قادرٌ على الكثير، وقبلت بالصمت وأنت تملك صوتًا، ورضيت بالظل وأنت قادرٌ على أن تقف في الضوء.
فانهض إلى نفسك قبل أن يفوت الأوان. لا تؤجل بناءك الداخلي، ولا تؤخر مصالحتك مع طموحك، ولا تترك أيامك نهبًا للعادة والخوف والكسل. اصنع من كل يومٍ إضافة، ومن كل تجربةٍ درسًا، ومن كل عثرةٍ قوةً جديدة. فالذين ينمون هم الذين يبقون أحياء في ذاكرة الحياة، أما الذين استسلموا للوقوف، فإنهم يرحلون مرتين: مرة حين يفقدون شجاعتهم، ومرة حين يكتشفون أن الندم لا يعيد ما ضاع.
نمُ الآن، لا لأن الطريق سهل، بل لأن الوقوف أكثر كلفة.
ونمُ الآن، لا لأن الزمن رحيم، بل لأنه لا يعود.
ونمُ الآن، لأن أجمل ما في الإنسان أنه قادرٌ دائمًا على أن يصبح أفضل مما كان.
2026-04-22