العراق ولعبة المحاور الأمريكية!
أمجد إسماعيل الأغا.
في إطار السياسية الأمريكية الرامية إلى إحداث تصدعات في طبيعة التحالفات القائمة بين دول الإقليم، وإجبارها على الاصطفاف ضمن محاور، وذلك بناءً على القاعدة الأمريكية ” من لم يكن معنا فهو ضدنا”، يجد العراق نفسه في قلب صراع المحاور الإقليمية والدولية؛ حيث أن لعبة المحاور هي سياسة اعتمدتها الإدارة الأمريكية لإجبار دول العالم على الانجرار اليها والخوض في غمار جزئياتها، وهذا يأتي بطبيعة الحال، ضمن إطار التطورات الاقليمية و الدولية، والتحولات السياسية وتداعياتها على طبيعة التحالفات القائمة أساساً بين دول المنطقة، إضافة الى جُملة من المتغيرات التي طرأت على المستويين السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي فرض ثوابت على بعض دول الإقليم تُجاه طريقة التعاطي مع المستجدات الطارئة التي عصفت في المنطقة.
ضمن هذا المشهد، يبدو أن العراق سيكون محور الصراع الإقليمي – الدولي القادم، فما بين واشنطن وحلفائها في المنطقة، وبين إيران وسوريا اللتان تربطهما بالعراق جغرافية تكاد تكون واحدة، هناك بيئة خصبة لنمو تجاذبات اقليمية ودولية على أرض العراق، خاصة مع حالة عدم الاستقرار السياسي، التي لا تزال مشهداً ثابتاً في يوميات العراق السياسية.
بناءً على التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة مؤخرا، والتي جاءت كـ نتيجة للمتغيرات التي شهدها الشأن السوري، ومواقف دول المنطقة من الحرب على سوريا، فضلا عن تداعيات الانسحاب الأمريكي، ونقل القوات الأمريكية من سوريا إلى العراق، ومن ثم إعادة إنتشار هذه القوات وإعادة تموضعها، اضافة إلى تحركات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وجولته الشرق اوسطية في وقت سابق، وما تمخض عنها من نتائج معلنة وغير معلنة؛ هناك الكثير من الأسئلة تُخيم حول موقف العراق من تلك التغيرات والتطورات الإقليمية، لـ يبدو صانع القرار العراقي في حيرة من أمره، حيث أن الرفض الشعبي للوجود الأمريكي في العراق، وما يسبب هذا التواجد من تدخلات لها علاقة مباشرة بالتأثير على مواقف العراق، فضلا عن المشاكل الاقتصادية المرتبطة بحالة عدم الاستقرار السياسي، والتي كانت ولا زالت الشغل الشاغل للعراقيين، تضعه ضمن خيارات معقدة و متشابكة، لكن الثابت لدى غالبية أطياف الشعب العراقي، هو العمل على إخراج القوات الأمريكية من الجغرافية العراقية، والرفض أن يكون العراق مُنطلقاً لأي عدوان على دول الجوار، لتأتي بعد ذلك جُملة الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتداعيات محاربة الإرهاب، حيث أن الوجود الأمريكي يُعتبر عامل تهديدٍ مباشر للسيادة العراقية، وذلك بالتوازي مع البحث الأمريكي المستمر لـ تفعيل عوامل ضغط تُجاه دول الجوار العراقي.
عُقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا، وقوله صراحة” نريد إبقاء قواتنا في العراق لـ مراقبة إيران”، أصبح هناك إجماع من قبل جميع القوى العراقية على إخراج القوات الأمريكية من العراق وإنهاء وجودها في البلاد، وهذا يطرح تحديات جمّة مرتبطة بـ الاتفاقية الأمنية العراقية ـ الأمريكية، المعروفة باسم “صوفا”، وأيضاً إلغاء القسم الثالث من اتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرمة بين بغداد وواشنطن، ومن خلال البحث في ردود الأفعال بين الكتل السياسية العراقية داخل البرلمان العراقي، اتفقت في وقت سابق أكبر كتلتين في البرلمان العراقي واللتان تشكلان الأكثرية البرلمانية على إخراج القوات الأجنبية، فقد اتفق تحالف فتح برئاسة هادي العامري، وتحالف سائرون بقيادة مقتدى الصدر، على إخراج القوات الأمريكية من العراق، إضافة إلى أن جميع الكتل السياسية رافضة للوجود الأمريكي غير الشرعي وعازمة على تفعيل قانون إخراج القوات الأجنبية من البلاد وعدم انتهاك السيادة العراقية.
ضمن الوضع الجديد الذي سيكون ذا صبغة توافقية سياسية عراقية، سنشهد تحولاً مفصلياً في تاريخ العراق السياسي، لكن في المقابل هل ينجح العراق بالتملص من سياسة المحاور التي فرضتها واشنطن في المنطقة؟، فـ بحكم فرضيات الواقعية السياسية، ستكون مسؤولية صعبة للغاية على رئيس الوزراء العراقي المُكلف “مصطفى الكاظمي”، وهو المسؤول حالياَ عن المطالبة بطرد جميع القوات العسكرية الأجنبية، لاسيما الأمريكية من الأراضي العراقية.
الإعلان الأمريكي عن إبقاء القوات الأمريكية في العراق لمراقبة إيران، وإبقاء تأثيرات الاستراتيجية الامريكية التي تُشكل عامل ضغط على الإقليم، شكل في جزئياته استهدافاً مباشرً لسيادة العراق، و تفكيكاً واضحاً لطبيعة التحالفات التي اتخذها العراق ضمن سياسة المحاور، فـ الإعلان الأمريكي سيؤدي ضمن مسار سياسي وربما عسكري، إلى العمل على تهيئة الظروف لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، و الذي بات ضرورة من أجل وضع حدٍ للنفوذ الأمريكي وتأثيراته المباشرة على تحالفات العراق، يُضاف إلى ذلك، أن الرئيس الامريكي دونالد ترامب يقوم بتوجيه إهانات متعمدة للعراق والعراقيين، و قد بدا ذلك واضحاً إبان الزيارة السرية التي قام بها ترامب لقاعدة “عين الأسد”، و بالتالي فَسر الساسة العراقيون هذه الخطوة بأنها ترجمة حقيقية لنوايا واشنطن تُجاه العراق، والسعي الأمريكي للزج بالعراق ضمن سياسية المحاور الأمريكية، و التي ستؤثر حتماً على مستقبل العراق السياسي، إضافة إلى وضع اسفين في تحالف العراق مع سوريا وإيران.
في المحصلة، لا شك بأن مكانة العراق الاستراتيجية والٌإقليمية تضعه ضمن قائمة الأهداف الأمريكية، وبالتالي فإن التوجهات الواضحة للإدارة الأمريكية تسعى للسيطرة على مفاصل العراق السياسية والعسكرية، بُغية العبث بأمن دول الجوار، لكن في المقابل، وبالنظر إلى عاملين اساسيين أحدهما طبيعة علاقات العراق مع سوريا وايران، والتحالفات الاقتصادية فيما بينهم، فضلا عن الترابط الاستراتيجي والانخراط في حلف مقاوم، والأخر وحدة الرؤى العراقية بإخراج القوات الأمريكية وإحباط خططها المستقبلية، هما عاملان سيجعلان من مهمة واشنطن اقصاء العراق من محوره المقاوم غاية في الصعوبة.
2020-04-22