استمرار التآمر الأمريكي لتفتيت وتدمير العراق!
الدكتور أوس نزار درويش.
منذ أيام قليلة مرت سبعة عشر عاما على الاحتلال الأمريكي للعراق العظيم وسقوط بغداد ويومها كنت في الثالثة عشر من عمري في الصف الثاني الإعدادي وصعقت وقتها من السقوط المدوي والمفاجئ لبغداد وانهيار الجيش العراقي بهذه السرعة الكبيرة وهروب الرئيس صدام حسين واختفائه هو وأركان نظامه وكنت أمني نفسي بانتصار العراق وهزيمة أمريكا هزيمة ساحقة كما هزمت في فيتنام في ستينات القرن المنصرم لكنه خاب أملي وماكان يحز بالنفس إن القوات الامريكية قد انطلقت في هجومها من دول عربية خليجية مجاورة واعتمدت أمريكا منذ دخولها للعراق على العملاء المقيمين في الخارج والذين قامت بإدخالهم بعد الاحتلال على الدبابة الأمريكية وقامت بتسليمهم المناصب العليا في الدولة ليكونوا شهود زور ويشرعوا عملية تفتيت العراق وتقسيمه اثنيا وطائفيا من خلال مصادقتهم على دستور بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي للعراق هذا الدستور الذي مهد لتقسيم العراق من خلال المحاصصة الطائفية التي نص عليها في توزيع المناصب العليا في الدولة وإعطاؤه شمالي العراق بالكامل للأكراد.
ومن وقتها إلى الآن أقام الأكراد في شمالي العراق مايشبه الدويلة في أربيل والسليمانية وأصبحوا يبيعوا النفط بدون المرور على الحكومة المركزية وأصبحوا قاعدة أمريكية صهيونية للتآمر على بغداد، البعض يتحدث عن الدور الإيراني في العراق وإن هذا الدور كان دورا تخريبيا بعد عام 2003 ولكن هذا الكلام غير صحيح فإيران بالرغم من حالة العداوة الكبيرة بينها وبين النظام العراقي السابق رفضت الغزو الأمريكي للعراق ورفضت مساعدة أمريكا لاحتلال العراق وهذا بشهادة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي الذي صرح قبل أيام قليلة من بدء الغزو الأمريكي للعراق إن إيرات ترفض الغزو الأمريكي وقال إن إيران قدمت عرضا للمساعدة لصدام حسين للتصدي للعدوان الأمريكي.
وإيران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق اضطرت للدخول بنفوذها إلى داخل المشهد العراقي وذلك بحكم جوارها مع العراق ولأن العراق بعد الاحتلال أصبح يشكل قاعدة خلفية أمريكية لاستهداف إيران ولكن يعاب على إيران إنها اعتمدت في ترسيخ نفوذها في العراق على أحزاب وشخصيات فاسدة أساءت إليها إساءة كبيرة وجعلت قسم من الشعب العراقي يمتعض منها ومن سلوكها ولكن الدور الإيجابي الأكبر لإيران كان دورها في المساعدة في تأسيس الحشد الشعبي الذي كان له الدور الأكبر في القضاء على المشروع الأمريكي الداعشي عندما سيطرت داعش في حزيران عام 2014 على ثلثي مساحة العراق وأصبحت على مقربة من بغداد فعندها قامت إيران وعلى يد الجنرال قاسم سليماني بدعم وتدريب الحشد الشعبي الذي قام بعدها وبسنوات قليلة عام 2018 بالقضاء على داعش وإسقاط دولته المزعومة في الوقت الذي كان يقول فيه اوباما في عام 2014 إننا نحتاج لعشرات السنوات للقضاء على داعش.
وبعد أن قام العراقيون بالقضاء على داعش واستعادة أراضيهم قامت أمريكا بخلق مشكلة جديدة وذلك لتخرب العراق من خلالها وكانت هذه المرة بالمشاركة مع عميلها مسعود البارزاني الذي أوعزت له في سبتمبر 2017 على القيام باستفتاء لينفصل عن العراق وبالمناسبة مسعود البارزاني وحزبه كانوا دائما الخنجر المسموم في خاصرة العراق وقاعدة أمامية للتآمر على العراق هذا الاستفتاء الذي جرى في 25 سبتمبر عام 2017 رأينا فيه أعلام الكيان الصهيوني في أربيل ورأينا فيلسوف الخراب والدمار (بيرنارد هنري ليفي) في شوارع أربيل يشجع على إقامة الدولة الكردية لكن الجيش العراقي وقتها أحبط هذه المحاولة الانفصالية وقام بعد أيام قليلة من الاستفتاء بعملية عسكرية استعاد من خلالها السيطرة على كركوك وطوزخرماتو وكل المناطق الغنية التي احتلها البارزاني وجماعته وكان من نتيجة هذا العمل العسكري أن أجهض هذا الاستفتاء ومشروع الدولة الكردية وقام بعدها مسعود البارزاني بتقديم استقالته.
ولم يسلم العراق من المؤامرات الأمريكية المستمرة فقامت أمريكا قبل أشهر بمحاولة زرع الفتن وإشاعة الفوضى في صفوف الشعب العراقي وذلك بعد قيام رئيس الوزراء العراقي السابق (عادل عبد المهدي) بتبني سياسة مستقلة عن السياسة الأمريكية ومحاولة النهوض بالعراق من خلال الاستغناء عن الأمريكان والإتجاه نحو الصين عسكريا واقتصاديا وإعادة فتح المعابر الحدودية بين العراق وسوريا فاستغلت أمريكا المطالب الملحة للشعب العراقي وذلك بدفعه للتظاهر وذلك لإشاعة الفوضى والتخبط الداخلي وتحقق مبتغاها وذلك باستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ولإكمال مشروع الفوضى الأمريكية في العراق قامت أمريكا وبالتعاون مع برهم صالح رئيس الجمهورية العراقية بمحاولة الإتيان برئيس وزراء على الهوى الأمريكي وكما هو معروف إن منصب رئيس الجمهورية في العراق هو موقع شرفي ومع ذلك قام برهم صالح بتجاوز صلاحياته الدستورية وذلك برفض أغلب المرشحين الذين رشحتهم الكتلة الأكبر في البرلمان وقام في النهاية بتكليف شخص غير مقبول أبدا وهو عدنان الزرفي لكن كتلة البناء الكتلة البرلمانية الأكبر رفضت تكليفه وبعد أخذ ورد ومخاض عسير تم الإتفاق على تكليف مصطفى الكاظمي برئاسة الحكومة وهذا خطأ كبير جدا وسيدفع العراق ثمنه لاقدر الله فهذا الشخص مشبوه وتشير الكثير من التقارير إلى ارتباطه الوثيق بالولايات المتحدة وهناك الكثير من إشارات الاستفهام حول دوره في استشهاد القائدان قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس لكونه رئيس للمخابرات العراقية وقد رحبت وزارة الخارجية الأمريكية بتكليفه ،وفي النهاية لن ينصلح حال العراق إلا بالتكاتف والوحدة والمصالحة الوطنية الشاملة وتشريع دستور مدني عصري يلغي المحاصصة الطائفية المقيتة وإلغاء قانون اجتثاث البعث الذي وضعه المحتل الأمريكي فحزب البعث حزب له تاريخه ومتأصل في الوجدان العراقي ولايمكن اجتثاثه والأفضل المصالحة مع العناصر الوطنية فيه وإعادته للحياة السياسية ونسيان الماضي وتبقى أهم نقطة لنهضة العراق هي إنهاء حكم جيل السياسيين الذين دخلوا على الدبابة الأمريكية فهذا الجيل لم يجر على العراق إلا الفساد والخراب والاستعاضة عنه بجيل جديد من الشباب يكون ولاءهم للعراق فقط حتى يزدهر العراق لأنه لن تشرق شمس الأمة العربية إلا إذا أشرقت من العراق العظيم.
كاتب وباحث سياسي عربي سوري وأستاذ جامعي في القانون العام
2020-04-22