العالم بين الانضباط والفوضى!
اضحوي جفال محمد*
يتراوح التاريخ الإنساني بين شكلين من النظام، متداخلين يولد احدهما من رحم الآخر: نظام تحكمه قوى كبرى مهيمنة تفرض قوانينها على الجميع، فتهدأ المحاور الرئيسية ويُترك حيّز صغير للصراعات المحلية الممسوكة من الأعلى. ونظام تختل فيه القوى الكبرى فتسود الفوضى إلى أن تظهر القوى القادرة على فرض هيمنتها. وعالمنا اليوم يمر بواحدة من اكثر المراحل فوضوية. فالصراع الذي نشأ في الخليج، وقبله حرب أوكرانيا، توسعا إلى حد اشتراك جهات من جميع القارات.
قبل الانزلاق إلى هذه الفوضى العارمة كان إطلاق مسيّرة واحدة من آلاف المسيّرات التي تنطلق اليوم كافياََ لتداعي الأحلاف العسكرية على مستوى القمة لبحث الحدث الجلل، ويعقد مجلس الامن اجتماعاََ طارئاً لاتخاذ التدابير بشأن التهديد الخطير للسلم والأمن الدوليين. اما الان فلا تكلف اي دولة نفسها مؤونة اصدار بيان. فاستهداف قوات أمريكية بالصواريخ بات جزءاً من الروتين لا يثير شهية الإعلام فضلاً عن السياسة. وحين يصبح استهداف الأمريكان روتيناً لك أن تتصور مقدار هامشية ان يصيب صاروخ أوكراني سفينة إيرانية في قزوين، او ان تصيب مسيّرة مجهولة المصدر ميناء دمياط المصري على المتوسط، او ان يضرب الحوثيون ناقلة نفط في باب المندب. فالعالم بأسره بات مسرحاً للحرب. وكل جهة في هذا العالم تستطيع ان تستهدف اي جهة اخرى دون أن يكون الأمر مستغرباََ. فالحرب او الحروب المستعرة لم تعد حكراً على أطرافها المباشرين. وكل الصراعات المحتدمة في أرجاء المعمورة ما هي في الواقع إلا حرب واحدة هي الحرب المؤدية إلى ولادة عالم جديد يفرز الاقوياء القادرين على التحكم به زمناً طويلاً. وهم لا يجلسون بانتظار ان تجود لهم الأقدار بمراتب الرياسة وانما ينخرطون الان بكل قوة لبلوغ القمة.
لقد فرضت الظروف على الولايات المتحدة وروسيا أن تخوضا الحرب بشكل سافر، إلا أنهما ليستا الوحيدتين، فالصين لا تقل عنهما انغماساً في الصراع، واوربا متورطة بكل قواها. وهناك بلدان صاعدة تبحث لنفسها عن ادوار متقدمة في عالم المستقبل، على رأسها الهند والبرازيل وتركيا وجنوب افريقيا واندونيسا. وفي النهاية سينفرط حلف الناتو لعدم تجانس تركيبته، وتنشأ على أنقاضه أحلاف جديدة تتولى ضبط العالم وفرض قوانينها عليه. وسينال كل قوم بقدر بلائهم في معركة تشكيل العالم الجديد لأن أحداََ لن يتبرع لأحد بما لا يستحق.
( اضحوي _ 2419 )
2026-08-01