الطوفان والتاريخ: حوار مع قراءة الدكتور صالح الشقباوي!
غانية ملحيس*
قرأت باهتمام مقال الدكتور صالح الشقباوي «غانية ملحيس والطوفان: هل يصحح الحدث التاريخ أم يستمر فيه؟» المنشور في البيادر السياسي في 1/9/2026.
وأقدّر له الجهد الذي بذله في قراءة كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» من زاوية معرفية/إبستيمولوجية وفلسفية – اجتماعية/سوسيولوجية، وما أثاره من أسئلة حول العلاقة بين الحدث والتاريخ، وبين الذاكرة والتحول، وبين النضال الفلسطيني وغاياته النهائية.
وقد وجدت في قراءته نقاطا كثيرة ألتقي معها، خصوصا في تأكيده أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يأتِ من فراغ، وأن التاريخ الفلسطيني لا يبدأ به ولا يمكن اختزاله فيه، وأن المقاومة ليست بديلا عن المشروع الوطني، وأن الغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب والمقاومة ، وإنما الوصول إلى عيش حر وآمن والعودة وتقرير المصير، رغم التباين بيننا في صيغ بلوغ ذلك، اذ يراها د. الشقباوي في قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين وتقرير المصير، فيما أعتقد أن إنهاء الحروب والعيش الامن المستقر لا يتأتى إلا بتفكيك المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، والاعتراف بالمسؤولية التاريخية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين من المنافي، وعدم استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، والتعامل الإنساني الخلاق مع الحقائق الديموغرافية التي أفرزها الصراع، وبناء المستقبل على أساس تساوي حقوق البشر في الحياة والحرية والكرامة، وبناء دولة وطنية يتساوى فيها الجميع أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين.
غير أن اختلافنا في تفسير الغاية النهائية للنضال الفلسطيني لم يكن هو السبب الذي استدعى كتابة هذا المقال، وإنما ما وجدته من نقاط أساسية في قراءته النقدية لكتاب «الطوفان» تحتاج إلى توقف، وخصوصا النقطة المتعلقة بـ «اعوجاج التاريخ»، لأنها تتصل بالمفهوم المركزي الذي يقوم عليه عنوان الكتاب نفسه: ما الذي قصده الكتاب بـ «اعوجاج التاريخ»
أولا: لم يقل الكتاب إن التاريخ الفلسطيني كان معوجا
ربما يكون هذا هو أهم موضع يحتاج إلى تصحيح في القراءة.
يقول د. الشقباوي إنني أنطلق من فكرة أن «التاريخ الفلسطيني» كان معوجا، وأن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر جاء ليصحح هذا الاعوجاج.
وهذا تأويل غير دقيق. فالكتاب لم يقل إن التاريخ الفلسطيني أخطأ، وإنما قال إن السردية السائدة التي كُتب بها التاريخ الحديث عموما قد انحرفت؛ حين جعلت القوة مصدرا للشرعية، والغلبة معيارا للحقيقة، والاستعمار طريقا إلى الحضارة. وهذا ليس تفصيلا لغويا، بل هو أساس الأطروحة كلها.
فالتاريخ، بوصفه مجرى الوقائع الإنسانية، ليس هو الذي وصفه الكتاب بالاعوجاج، وإنما الطريقة التي أعيد بها ترتيب الوقائع وتأويلها وكتابة معناها من داخل منظومة القوة التي حكمت العالم الحديث.
وهذه المسألة تبدو أكثر وضوحا حين ننظر إلى فلسطين ومنطقتنا العربية – الإسلامية. فالتاريخ الحديث لم يُكتب في فراغ معرفي محايد، وإنما تشكّل في ظل منظومة استعمارية غربية أعادت رسم الجغرافيا السياسية، وأعادت تعريف الشعوب والأمم، وحددت من هو «المتحضر» ومن هو «المتخلف»، ومن يملك الحق في السيادة ومن يوضع تحت الوصاية، ومن يمثل المستقبل ومن يوضع في خانة الماضي.
ومن هنا فإن الحديث عن «اعوجاج التاريخ» هو حديث عن اعوجاج السردية التاريخية الحديثة ومنظومة المعايير التي أنتجتها، وعن اختلال العلاقة بين القوة والحقيقة والشرعية في كتابة التاريخ وفهمه.
ثانياً: عنوان الكتاب: «الطوفان بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، وليس التاريخ الفلسطيني حصرا
لا أرى الطوفان حدثا يخص فلسطين وحدها، رغم أن فلسطين كانت ميدانه الأكثر كثافة ووضوحا. فما كشفه الطوفان يتصل بمنظومة أوسع: منظومة ادعت أنها تمثل الحداثة والتقدم والعقلانية والحرية وحقوق الإنسان، بينما نشأت تاريخيا وتوسعت عالميا في ظل علاقات استعمارية أعادت تشكيل العالم بالقوة.
لقد كشف الطوفان وحرب الإبادة الجماعية التي تلته التناقضات العميقة بين القيم التي تعلنها هذه المنظومة، والقواعد التي تطبقها على شعوب خارج مركزها. وهنا يصبح السؤال أكبر من: ماذا حدث للفلسطينيين؟ السؤال يصبح أيضا: ماذا كشف ما حدث في فلسطين عن النظام الذي حكم العالم الحديث؟ ماذا كشف عن معنى القوة والشرعية؟ وعن العلاقة بين الاستعمار والحداثة؟ وعن ازدواجية معايير القانون الدولي؟ وعن الحدود الفاصلة بين من يملك الحق في الدفاع عن نفسه ومن يُنزع عنه هذا الحق؟ وعن قدرة القوة العسكرية على إغلاق التاريخ؟ وعن قدرة السردية المهيمنة على الاستمرار عندما تتناقض بصورة فاضحة مع الوقائع التي يراها العالم؟
من هنا فإن «تصويب اعوجاج التاريخ» في الكتاب لا يتوقف عند التاريخ الفلسطيني، ولا عند التاريخ العربي والإسلامي، وإن كانت منطقتنا من أكثر المناطق التي تكشفت فيها آثار هذه المنظومة.
إنه سؤال في التاريخ الحديث نفسه، وفي السردية التي حكمت فهم العالم الحديث وتوزيع الشرعية فيه، وفي المنظومة الاستعمارية التي أسهمت في تشكيل هذا التاريخ وفرض معاييره.
ثالثا: الطوفان لم يصحح التاريخ، لكنه فتح بداية التصويب
من هنا يمكن فهم كلمة «بداية» في عنوان الكتاب. الكتاب لا يقول إن الطوفان أنجز تصويب التاريخ. ولا يقول إنه أنهى الاستعمار. ولا يقول إنه حقق للفلسطينيين الحرية والعودة وتقرير المصير. ولا يقول إن حدثا واحدا يستطيع أن يمحو قرنا من التاريخ.
«البداية» هنا تعني أن الحدث أحدث انكشافا عميقا في منظومة بدت، قبل ذلك، قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مستقرة ونهائية.
فقد كشف هشاشة بعض المسلمات التي حكمت قراءة الصراع، وكشف حدود القوة في إغلاق القضية الفلسطينية، وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة في النظام الدولي، وكشف أيضا أزمة الحامل السياسي الفلسطيني، الذي دخل هذه اللحظة التاريخية وهو يعاني من الانقسام والتكلس وفقدان القدرة على إنتاج استراتيجية وطنية جامعة.
لكن تصويب السردية لا يحدث بمجرد وقوع الحدث، وإنما حين يعاد إنتاج المعرفة عنه، وإعادة تفسير ما سبقه وما تلاه، وإعادة ترتيب العلاقة بين الوقائع والمفاهيم والمعايير التي حكمت تفسيرها. فالحدث لا يغيّر السردية تلقائيا؛ وإنما يفتح إمكانية تغييرها حين يتحول إلى موضوع لإعادة التفكير وإعادة بناء المعرفة.
لذلك فالطوفان بالنسبة إليّ ليس «التصحيح»، وإنما لحظة تاريخية فتحت إمكان التصويب وفتحت التاريخ على احتمالات جديدة. وقد شكّل بذلك بداية، لكن شروط إمكان التحول تظل مرهونة بقدرتنا على تحويل ما كشفه إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة، والقدرة إلى تغيير في شروط التاريخ.
رابعاً: الاستمرار التاريخي لا ينفي التحول التاريخي
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن الطوفان لم يأتِ من خارج التاريخ الفلسطيني. ولهذا تضمن الكتاب فصل «إرهاصات الطوفان»، وهي مقالات كتبت قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وتناولت تحولات المجتمع الإسرائيلي، وأزمة المشروع السياسي الفلسطيني، والانقسام، وتآكل القدرة الوطنية، وأوضاع الإقليم، وغيرها من الشروط التي كانت تتراكم قبل الحدث، فالطوفان لم يبدأ التاريخ الفلسطيني.
لكن القول إنه امتداد لمسار سابق لا يعني أنه لم يفتح مرحلة جديدة. فالحدث التاريخي قد يكون ثمرة لما سبقه، ثم يصبح في الوقت نفسه نقطة يُعاد عندها تشكيل معنى ما سبقه وأفق ما سيأتي بعده. ولهذا أميز بين سؤالين:
كيف نشأ الحدث؟ وماذا أحدث الحدث في التاريخ؟
الأول يتعلق بشروط إنتاجه، أما الثاني فيتعلق بآثاره وما كشفه وما غيّره وما أتاحه من إمكانات. وهذا هو الفرق بين تفسير الطوفان تاريخيا، وبين الحكم على نتائجه مسبقا.
خامساً: الذاكرة ليست خصما للتصويب
أتفق مع د. الشقباوي في أن أي قراءة تاريخية جادة لا يمكن أن تمحو الذاكرة الفلسطينية أو تختزل قرنا من النضال في لحظة واحدة. ولم أفعل ذلك.
فانتفاضة عام 1929، وثورة 1936-1939 ، والنكبة واللجوء 1948، وعيلبون والثورة الفلسطينية 1965، وانتفاضة الداخل في يوم الأرض 1976، ومواجهة العدوان والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، وانتفاضة الحجارة 1987-1993، وانتفاضة النفق 1996، وانتفاضة الأقصى 2000-2004، والتصدي للحروب الإسرائيلية المتتالية على قطاع غزة منذ العام 2008، وانتفاضة السكاكين في الضفة الغربية 2016، وانتفاضة القدس 2021، والشهداء، والأسرى، وكل مراحل النضال الفلسطيني، ليست مقدمات ينبغي التخلص منها كي يبدأ تاريخ جديد. إنها أجزاء من تاريخ واحد متراكم.
لكن إعادة قراءة التاريخ لا تعني إلغاء الذاكرة، وإنما تعني أحيانا إعادة تركيب معنى الذاكرة من موقع تاريخي جديد. وهنا أجد أن حديث الشقباوي عن عيلبون يقدم مثالا مهما.
سادساً: عيلبون والطوفان… هل تختلف قاعدة القراءة؟
يقرأ الشقباوي عيلبون باعتبارها أكثر من عملية عسكرية. ويرى فيها حدثا مؤسسا سياسيا ورمزيا وتاريخيا، لأنها ساعدت على إعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه فاعلا، وليس مجرد موضوع في تاريخ النكبة واللجوء. وهذا بالضبط ما يجعلني أتوقف عند منطقه. فالحدث التاريخي لا تقتصر قيمته على نتيجته المباشرة. قد يغير وعيا، أو يسقط مسلمة، أو يعيد تعريف الذات، أو يكشف حدود نظام قائم، أو يفتح أفقا لم يكن مرئيا من قبل.
إذا كان من المشروع إذن أن نقرأ عيلبون باعتبارها لحظة أعادت تشكيل وعي الفلسطيني بذاته وموقعه في التاريخ، فلماذا يصبح الطوفان مجرد “استمرار ” حين نقرأ آثاره في الوعي والسردية والنظام الدولي؟
وهنا تظهر نقطة أعمق: قد يكون الحدث امتدادا لما سبقه من جهة، وبداية لتحول جديد من جهة أخرى. عيلبون نفسها مثال على ذلك: لم تكن بداية التاريخ الفلسطيني، ولم تكن منفصلة عن النكبة واللجوء وتطور الحركة الوطنية، لكنها كانت علامة فاصلة في كيفية ظهور الفلسطيني كفاعل تاريخي. ليس بمعنى مساواة الحدثين في الحجم أو الطبيعة، وإنما من حيث قاعدة القراءة التاريخية.
ومن هنا يصبح السؤال: ماذا غيّر الطوفان في الوعي والسردية، وماذا كشف من حدود المنظومة القائمة، وأي إمكانات جديدة فتحها؟
سابعا: لا يدعي الكتاب قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم ينتج قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة بالمعنى الفلسفي الصارم. ولم يقدم نظرية معرفية جديدة مكتملة، ولم يمح ما سبقه، ولم يُلغِ التاريخ الفلسطيني السابق.
لكنني لا أرى أن علينا إثبات قطيعة مكتملة حتى نقول إن الحدث أحدث اهتزازا عميقا في منظومة معرفية وسياسية كانت تبدو مستقرة.
فالقطيعة ليست واقعة ينجزها الحدث وحده، وإنما قد تكون مسارا تاريخيا يبدأ بانكشاف يزعزع البنية المعرفية القائمة، ثم يتطور عبر إعادة النظر في المفاهيم والمسلمات التي حكمت فهم الواقع.
لقد اهتزت تصورات حول قدرة القوة العسكرية وحدها على إغلاق القضية الفلسطينية، وحول إمكان إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وحول قدرة إسرائيل على إنتاج أمن دائم في ظل استمرار إنكار الحقوق الفلسطينية، وحول حياد المنظومة الدولية، وحول العلاقة بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان وممارسته الفعلية.
وفي الوقت نفسه انكشف عمق أزمة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وظهرت الفجوة الزمنية بين استعمار واستيطان يتقدمان، وبنية سياسية فلسطينية تتكلس، وبين فرص الإمكان وشروطه.
لذلك أقول: لم تحدث القطيعة المعرفية/الإبستيمولوجية مكتملة، لكن حدث ما يمكن أن يكون شرطا من شروط إمكانها. وهذا هو معنى «البداية» في الكتاب.
ثامناً: من الوجود الفلسطيني المهدد إلى الوجود الحر والدائم
في هذا الجانب ألتقي كثيرا مع الدكتور الشقباوي. فالغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب، ولا بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة، وإنما التحرر من شروط الخوف والاقتلاع والمنفى والاحتلال، والوصول إلى وجود وطني فلسطيني حر وآمن ومستقر.
المقاومة ليست الغاية، لكنها أيضا ليست نقيضا للحياة. هي واحدة من أدوات الفعل الوطني، والغاية هي الحرية والحياة الكريمة والسيادة والقدرة على تقرير المصير.
لكنني أختلف مع جعل هذه النتائج النهائية شرطا للقول إن مسار التصويب قد بدأ. فالنتيجة تثبت اكتمال التحول، لكنها لا تحدد لحظة بدايته. والدولة نفسها لا ينبغي أن تكون مجرد نهاية جغرافية للصراع.
السؤال ليس فقط: هل قامت دولة فلسطينية؟ هل تمكن اللاجئون الفلسطينيون من العودة؟ هل تمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره في فلسطين؟
ولو سلّمنا جدلا برؤية الشقباوي لدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما طبيعة هذه الدولة؟ وما مقدار سيادتها؟ وهل هي تعبير عن تحرر وطني حقيقي، أم صيغة لإدارة الوجود الفلسطيني ضمن شروط القوة القائمة؟
هذه ليست أسئلة ترفض الدولة أو تنتقص من أهميتها، وإنما تتعلق بالمضمون التحرري والسيادي للتسوية السياسية للصراع التي تنهي الحروب، وبما إذا كانت تعالج جذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، أم تعيد إنتاجه في صورة أخرى.
تاسعا: فتح واستعادة الفلسطيني بوصفه فاعلا
أقدّر ما كتبه الشقباوي عن الدور التاريخي الذي أدته حركة فتح في نقل الفلسطيني من موقع اللاجئ والمتلقي إلى موقع الفاعل السياسي.
وأوافق على أن هذه كانت لحظة تأسيسية في إعادة بناء الشخصية السياسية الفلسطينية الحديثة. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني احتكار التاريخ الفلسطيني. فتح أسست مرحلة مهمة، لكنها لم تستنفد التاريخ.
وإذا كانت فلسطين، كما يقول الدكتور الشقباوي نفسه، أكبر من التنظيمات، فإن المشروع الوطني الفلسطيني ينبغي أن يكون أكبر من التنظيمات أيضا.
وهنا يتحول السؤال من: من يملك البداية؟ إلى: كيف يستطيع الفلسطيني اليوم أن يستعيد قدرته على الفعل في شروط تاريخية جديدة؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن.
لقراءة المزيد ..أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/96817
2026-09-06