الصمت الأممي اتجاه مجازر الاحتلال في غزة، إلى متى؟
عميرة أيسر*
منذ بداية عملية طوفان الأقصى المباركة، والجيش الاسرائيلي يرتكب جرائم مروعة يندى لها جبين الانسانية جمعاء، والتي لم يرتكبها الصهاينة طوال تاريخهم الدموي والاجرامي، تلك الجرائم التي أخرجت حتى الشعوب الأوروبية التي كانت متضامنة مع هذا الكيان المصطنع في بداية الحرب، بمئات الآلاف لشوارع أمريكا وسيدني و لندن وباريس وبرلين، وغيرها من العواصم الغربية التي لم تعد تتحمل الانحياز الأعمى لحكوماتها لصالح الكيان الصهيوني الغاصب، وكالعادة قوبلت هذه المظاهرات المؤيدة والداعمة للقضية الفلسطينية بتجاهل من طرف السلطات الرسمية في تلك الدول، ولم يتطرق إليها الإعلام الغربي المتصهين، وخاصة في الإعلام الأمريكي الذي دوماً يتحدث عن قتلى الصهاينة، ويظهرهم بمظهر الضحايا الأبرياء، بينما لا نجد أدنى تعاطف مع الشهداء الذين يسقطون من المدنيين، والذين تقصف منازلهم ومحلاتهم وحتى المستشفيات التي يعالجون بها بشكل يومي منذ بداية العنوان الصهيوني على قطاع غزة، فبحسب البيان الصادر عن المكتب الاعلامي الحكومي في غزة، فإن الكيان الصهيوني المجرم قد ارتكب 965 مجزرة في القطاع، راح ضحيتها أزيد من 9آلاف شهيد، وحوالي 23 ألف جريح، وأضاف البيان، بأن الاحتلال يدعي أنه قصف 12 ألف هدف في غزة منذ بدء العدوان، لكن كل أهدافه مدنية موزعة بين البيوت الآمنة والمرافق العامة والمشافي، ومن بين الشهداء 3670 طفلاً، و 2326 امرأة، مع وجود 2060 بلاغاً عن مفقودين خلال 27 يوماً من المحرقة الصهيونية. كما ذكر موقع RU4، بتاريخ 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023م، في مقال بعنوان ( أكثر من 9 آلاف قتيل في 965 مجزرة إسرائيلية).
فالمجازر الصهيونية المروعة، والتي امتدت لتشمل اغتيال المرضى وهم داخل سيارات الإسعاف الذين كان من المفترض نقلهم لمعبر رفح للعلاج، قوبلت بصمت أممي مريب، حيث عجز مجلس الأمن الدولي عن إدانة الاحتلال الصهيوني كالعادة، وصوتت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ضدّ كل القرارات التي طرحتها روسيا والصين وغيرها من الدول، والداعمة للوقف الفوري للعدوان الهمجي على قطاع غزة، وعلى إدانة هذه الجرائم البشعة والمروعة، بل ساندت هذه الدول الموقف الصهيوني، ودعت لاستمرار هذه الحرب التي اعتبروها رغم كل الجرائم المرتكبة دفاعاً مشروعاً عن النفس ضدّ الارهاب الداعشي الأعمى، في تزييف للحقائق، ومخالفة صريحة للقوانين الدولية التي تعتبر إسرائيل قوة احتلال عنصري قمعي، فحركات المقاومة الفلسطينية هي حركات تحرر وطني تسعى للقضاء على هذا الاحتلال الاستيطاني، وتكفل لهم استعمال كل الوسائل المتاحة من أجل تحرير كل أرضهم من البحر للنهر، فهذه الدول لم تقم بإدانة أو طرد ممثل هذا الكيان الغاصب في الأمم المتحدة، الذي وصف الفلسطينيين بالحيوانات وبأبناء الظلام، وحملهم مسؤولية كل الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضدهم، مسانداً في ذلك وجهة نظر وزير دفاعه يواف غالانت الذي يتفاخر بأن جيشه قد فرض حصاراً شاملاً على قطاع غزة تضمن قطع الماء والكهرباء والطعام، وامدادات الوقود لأنهم حيوانات على شكل بشر. كما ذكر موقع قناة الجزيرة، بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023م، في مقال بعنوان ( الحيوانات والصراصير…..شرعنة الابادة من رواندا إلى إسرائيل).
ورغم كل هذه العنصرية التي يتعامل بها الكيان الصهيوني مع فلسطين، إلاّ أن الكيان الصهيوني لم يتم طرده من جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو يحظى بدعم دول حلف الناتو، وممثلي الدول الغربية المتعاطفة مع الكيان، فاللوبي الصهيوني العالمي الداعم الرئيسي لإسرائيل يقوم بشنّ حملة اعلامية ودبلوماسية شرسة في الدول التي لها نفوذ كبير داخلها كفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وأمريكا وبريطانيا، فحتى الأمين العام أنطونيو غوتيرش اضطر للاعتذار للكيان الصهيوني بعدما أدان الجرائم الوحشية التي يرتكبها هذا الكيان في حق الأبرياء في غزة، وانتهاك القانون الدولي الإنساني، وقال: غوتيرش بأن ” القانون الانساني الدولي يضع قواعد واضحة لا يمكن تجاهلها، انه ليس قائمة انتقائية، معرباً عن أسفه لفقدان العديد من موظفي الأمم المتحدة، وأضاف ” حماية المدنيين من الجانبين أمر بالغ الأهمية يجب احترامه في جميع الأوقات”. كما دعا لوقف إطلاق نار إنساني ودخول بلا قيود لعمال الإغاثة إلى قطاع غزة، وأكد على المخاوف بشأن توسيع الجيش الاسرائيلي العمليات البرية والهجمات الجوية المكثفة، وكذلك الهجمات الصاروخية من غزة على إسرائيل. كما ذكر موقع جريدة القدس العربي، بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( الأمين العام للأمم المتحدة يدين انتهاكات القانون الدولي في نزاع غزة).
فالأمم المتحدة كمنظمة أممية دولية يبدو بأنها مقيدة، وهناك الكثير من موظفيها صامتون على ما يجري في غزة لأن بعضهم كالمديرة التنفيذية لليونيسيف كاثرين راسل مستفيدون من الوضع، وما يحدث في غزة على المستوى المادي حيث أن المسؤولة الأممية الأنفة الذكر زوجها هو الملياردير الأمريكي توماس دو نيلون رئيس شركة بلاك روك التي تعتبر واحدة من أهم وأكبر شركات صناعة الأسلحة في العالم، والمزود الرئيسي للجيش الصهيوني بالكثير من الأسلحة المتطورة، وخاصة القنابل العنقودية المحرمة دولياً، التي تستعملها تل أبيب ( تل الربيع) بكثرة في إبادة عائلات بأكملها في غزة، ومحوها من السجل المدني، هذا الشخص يعتبر من أكثر الاشخاص نفوذاً في الولايات المتحدة الأمريكية بل تعتبر شركته التي استحوذت على مئات الشركات العالمية الكبرى في مختلف المجالات أقوى من بعض الدول الكبرى، ومن ترسم سياسة العم سام في الكواليس، وهو يضغط باتجاه تقديم الدعم اللامحدود للكيان الغاصب، وحشد النواب في كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري لحث جوزيف بايدن على دعم أسراءيل و التغطية جرائمها دولياً، بالإضافة لتقديم دعم سياسي وعسكري ومالي بما يضمن بقاء ها واستمرارها كقاعدة عسكرية حيوية لأمريكا في الشرق الأوسط، لأن تلك الأموال المقدمة لتل أبيب من واشنطن تذهب في معظمها كمساعدات عسكرية أمريكية للكيان الصهيوني، وبالتالي ضمان حصوله على عقود لتوريد الأسلحة لإسرائيل بمليارات الدولارات، كل ذلك يتم على حساب كل القيم التي تنادي بها الأمم المتحدة، التي تقف عاجزة عن ردع هذا الكيان الإرهابي، القاتل للنساء والأطفال والشيوخ بدم بارد، وهو مستمر في ارتكاب المزيد من الجرائم التي عجزت كل الدول عن ايقافها، في مجتمع دولي منافق وظالم، يقف إلى جانب الظالم ويحتقر المظلومين، ولكن وسط هذا الصمت الأممي المطبق، ظهرت العديد من الأصوات الداعمة للحق والقضية الشعب الفلسطيني العادلة والمحقة، كزعيم حزب العمال البريطاني السّابق جيرمي كوربن الذي له مواقف تاريخية في الدفاع عن القضية الفلسطينية، حيث قال: في تظاهر أقيمت في ذكرى مسيرة النكبة قبل سنوات” رسالتي لدعم الفلسطينيين حول العالم تتضمن أمرين أولهما: شكراً على ما تقومون به، وبالشجاعة المحيطة به، وثانياً تمسكوا بقضيتكم، وأنشروا كلمتكم، وأخبروا الناس، ليس من العدل أن يعيش الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال بسبب ما حدث قبل 75 عاماً، الأمر يعود لنا جميعاً لتغيير ذلك”. كما ذكر موقع الجزيرة ، بتاريخ 14 ماي/ أيار 2023م، في مقال بعنوان (شكراً على شجاعتكم، رئيس حزب العمال البريطاني السّابق يخاطب الفلسطينيين في ذكرى النكبة).
فالصمت الأممي هو تعبير فج على الازدواجية الغربية المعيارية في التعامل مع القضايا الدولية، فالأمم المتحدة التي دعمت اصدار مذكرة توقيف دولية ضدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من محكمة الجنايات الدولية، ولكن عندما تعلق الأمر بالكيان المحتل فإن الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية تقف عاجزة عن إدانة العدوان الصهيوني، وهم بالتالي مشاركون في عمليات القتل والتهجير والتشريد و جرائم الابادة العرقية الغير مسبوقة حتى تلك التي حدثت قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا، لم تكن بتلك القسوة والوحشية التي فاقت حدود التحمل البشري.
– كاتب جزائري
2023-11-06
