الصدمة بالصدمة!
رنا علوان
قيل يومًا لا يفل الحديد الا الحديد … لكن من اعتاد الناس على صبره قد يدهشهم “ردة فعل” نفاذه ، فالكيان اللقيط ومن خلفه الشيطان الأكبر … أخذ الإستكبار منهم مأخذه ، لكن ما يُميز الحدث القائم بين الجمهورية الإسلامية والعدو ، [ إن كان تحت مسمى “الوعد الصادق ٣” او “الأسد الصاعد”] وللتنويه ، فالأخير كالعادة يجب ان يتم إلباسه لباس ديني ، حيثُ أنه مستوحى من نص توراتي
ووفقًا لهذا النص التوراتي ، المُقتبس من “سفر الصحراء” فإن التسمية تعني “عام كلفي تاني”
הן עם כלביא יקום וכארי יתנשא לא ישכב עד יאכל טרף וגם חללים ישתה
أما ترجمة النص التوراتي أعلاه إلى العربية ، هي : “شعب كالأسد يقوم… وكالليث يشرئب… لا ينام حتى يأكل فريسته ، ومن دم ضحاياه يشرب
[ نتنياهو يعلم جيدًا مدى انهيار مُرتزقته لذلك اراد منحهم بعض التفاؤل من الأفيون التوراتي المُزيّف ]
وبالعودة الى سياق الأحداث ، فإنها من دون شك ، غير تقليدية ، لأن المرحلة الحالية من الصراع تُشكّل اليوم نقطة تحوّل استراتيجيّة ، حيث تداخلت الحروب التقليديّة مع الحروب السيبرانيّة والاستخبارية ، وهذا ما فتح آفاقًا جديدة في فهم طبيعة الأمن الإقليمي والدولي ، ومن البديهي أن كلّ جهة تسعى لكسب المعلومات السرية بُغية استثمارها ، وهذا ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من كشف الحقائق وتبادل المعلومات أحد أبرز أدوات المواجهة في هذه الحرب الحديثة
هذه الحرب بوجهها الهجين ، تعتمد بشكل أساسي على تقنيات التجسّس الإلكتروني ، والاستحواذ على بيانات وملفات سريّة ، لذلك تُعتبر حاسمة في تحديد ميزان القوى بين الأطراف المُتنازعة ، ولقد أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن نجاحها في تنفيذ عملية استخبارية نوعية ضدّ كيان الاحتلال الصهيوني ،حيث تمكّنت خلالها من الاستيلاء على أرشيف ضخم يتضمّن ملفات متعددة ، وأهمها الملف النووي
[هذا الملف النووي ، الذي يحتوي على معلومات تفصيّلية عن الترسانة «الإسرائيلية» بما في ذلك المنشآت النووية ، خرائطها ، ونقاط ضعفها ، يُعتبر ضربة نوعية لأمن العدو الإسرائيلي ، إذ كشف عن تفاصيل كانت سرًا محكمًا لسنوات طويلة… ( ومن يُريد التبخيس بالحدث قائلاً ان العدو ايضًا يمتلك معلومات مماثلة لناحية ايران ، فهذا بديهي جدًا ، حيث أن عمليات التفتيش على النشاط النووي الإيراني تتم بشكل رئيسي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وهي الهيئة التابعة للأمم المتحدة المسؤولة عن مراقبة المنشآت النووية وضمان عدم تحويلها إلى أغراض عسكرية
بالإضافة إلى ذلك ، هناك دول أخرى قد تقوم بعمليات مراقبة وجمع معلومات استخباراتية حول البرنامج النووي الإيراني ، مثل العدو الإسرائيلي وبعض الدول الغربية ، ولكن هذه الأنشطة تتم غالبًا بشكل سري وغير معلن
-الوكالة الدولية للطاقة الذرية
تجري عمليات تفتيش منتظمة للمنشآت النووية الإيرانية
وتستخدم تقنيات مختلفة ، مثل تركيب كاميرات وأجهزة استشعار ، وجمع عينات بيئية ، وتحليل صور الأقمار الصناعية
تتعاون مع إيران في إطار الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) لضمان أنشطة إيران النووية سلمية
-أطراف أخرى
العدو الإسرائيلي :
نفذت عمليات سرية لجمع معلومات حول البرنامج النووي الإيراني ، بما في ذلك سرقة وثائق وأرشيفات
دول غربية أخرى :
قد تقوم بجمع معلومات استخباراتية حول البرنامج النووي الإيراني من خلال الأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل
وتجدر الإشارة إلى أن عمليات التفتيش والرقابة على البرنامج النووي الإيراني تعتبر موضوعًا حساسًا ومعقدًا ، وهناك توترات مستمرة بين إيران والأطراف الأخرى حول مدى التزام إيران بالاتفاق النووي وحقوق التفتيش
أما مع استحواذ إيران على هذه المعلومات السرية الإستخباراتية ، “المُعادلة حتمًا تتغير إلى حالة من التوازن المُتحرك اذا صح التعبير” ، فبفضل هذه المعلومات ، أصبحت إيران تمتلك ورقة قوية يمكنها من خلالها إعادة رسم معادلات الردع في المنطقة ، فلقد باتت الحكومة الإيرانية في موقع يمكنها من استخدام هذه المعلومات على المستوى الدولي لكشف حقيقة ما يملكه «العدو الإسرائيلي» من أسلحة دمار شامل ، وبالتحديد السلاح النووي
لكن استحواذ جهاز الاستخبارات الإيراني على كميات ضخمة من الوثائق ذات الطابع الاستراتيجي والحساس المتعلقة بـ”الكيان اللقيط”، بما في ذلك ملفات تتعلق بالمنشآت النووية ، لم يكن هو السبب الرئيسي لتنفيذ الضربة التي لطالما هدد بها نتنياهو ، بل السبب هو انقاذ نفسه وحماية “وجوده” ، بعد ان ورط الكيان بحرب “وجودية”
يعرف نتنياهو تمام المعرفة ان مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي لوّح بخارطته قبل طوفان الأقصى المُبارك لن يتحقق بوجود ايران الإسلاميّة ودعمها المُطلق لمحور المُقاومة ، لذلك كان الهدف الرئيسي هو إسقاط النظام فالعدوان الاسرائيلي الغاشم حاول نزع قوة النظام عبر اغتيال القادة ، وذلك بهدف “التهيئة للانقلاب” الأمر الذي سيخلق معارضة داخلية…. “تنزع شرعية وجود النظام”
وكان هناك تعاون داخلي من قبل مجموعة سياسية اقتصادية كانت تقاطع الانتخابات البلدية ومن بعدها النيابية لكي تظهر تدني شعبية النظام ورفضها له حتى وصلت في طهران إلى مستويات دنيا… فكان وقتها خيار المرشد قبول ترشح الإصلاحيين لسد هذه الثغرة الكبيرة التي تطرح شرعية النظام الانتخابية
لكن ما يتم تسريبه [ان مخطط مُحكم أعدّه العدو الإسرائيلي بالتعاون مع عناصر داخلية نافذة في مؤسسات الدولة الإيرانية ، بهدف إسقاط النظام من الداخل في عملية وُصفت بأنها “انقلاب مدبّر تحت جنح الظلام”]
والمخطط كان يفضي (بتوجيه ضربة شاملة ومفاجئة تُطيح بالقيادات العليا التي تتحكم بمفاصل القوة داخل إيران ، وعلى رأسهم المرشد الأعلى)
أما في تفاصيل العملية – فقد تضمنت خططًا دقيقة لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي ، وشبكات الاتصال ، والخدمات اللوجستية الحيوية التي تربط الوحدات الدفاعية ، ما يفسر “الشلل الكامل” الذي شهدته إيران تلك الليلة
ولكن ما حدث بعد ذلك ، أن رد الفعل الإيراني كان أسرع مما توقعه المخططون ، ففي وقت قصير ، استطاعت الأجهزة الإيرانية السيطرة على الوضع ، وتوقيف المتورطين ، وإعادة تفعيل الأنظمة الدفاعية المعطّلة ، ما سمح بإستعادة زمام المبادرة وإفشال المخطط
وتتفق هذه الرواية مع خطاب رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فجر تلك الليلة ، والذي جاء بشكل مباشر وصريح ، داعيًا الإيرانيين إلى الانقلاب على النظام ، ووعدهم بأن يكون الى جانبهم
لم يكن هناك تلميح أو غموض : الرسالة كانت واضحة ومعلنة
أما من الجانب الأميركي ، فقد ألقت [زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب] الأخيرة إلى المنطقة بظلال ثقيلة على المشهد
الزيارة التي جاءت قبل أسابيع فقط من هذا التصعيد أعطت انطباعًا واضحًا بأن ترامب لا يرغب في اشتعال حرب شاملة بين إيران والعدو الإسرائيلي ، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة :
-هل كانت هناك خطة أميركية/إسرائيلية مشتركة نُفّذت بخديعة من الطرفين لإسقاط النظام الإيراني؟!؟
-أم أن العدو الإسرائيلي قررت تنفيذ العملية منفرد دون تنسيق كامل مع واشنطن؟!؟
ما بات شبه مؤكد ، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحرب كانت قرارًا أميركيًا تم تفويض بنيامين نتنياهو بخوضها ، بعدما تمّ تزويده بكل ما يلزم من أسلحة وذخائر وأموال ولوجستيات وملفات استخبارية ، بما فيها شبكات عاملة داخل إيران ومعطيات طازجة وفورية للأقمار الصناعية ، أما الهدف السياسيّ للحرب فهو واضح ، دعوة إيران لتوقيع اتفاق “الاستسلام” الذي قال ترامب ، إن فرصة التوقيع عليه لا تزال مفتوحة ، إذا ما عادت إيران إلى مسار مفاوضات الأحد في مسقط لقبول الشروط الأميركية
لكن اليوم ، وبعد أن كان العدو الإسرائيلي يتحدث علنًا عن “إسقاط النظام الإيراني” ، بات خطابه أكثر تواضعًا ، يركّز على “تعطيل البرنامج النووي” فقط
هذا التراجع يعزز من احتمال أن ما جرى لم يكن سوى فصل من محاولة انقلاب فاشلة…أشعل في المقابل مواجهة قد لا تهدأ قريبًا وقد يكون ثمنها باهظًا على العدو الإسرائيلي ، فبعد كل “رد على الإعتداء” ، تُظهر ايران قوة أكبر عن ما سلفه ، وبوتيرة تصاعدية تستنزف الكيان الذي تقف الى جانبه ، كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا والنرويج وهولندا وتركيا والسعودية والأردن وسوريا الجولاني والعراق بفضائه والقواعد الأمريكية فيه وقطر … وأكثر من 12 قاعدة عسكرية أمريكية مؤهلة ومعدّة حيطت بها من كل جانب.. ولو كانت إيران تحارب العدو الإسرائيلي كـ “ند حقيقي” لمحته من الوجود في برهة
أما في ما هو قادم ، لا أوراق بيد العدو الإسرائيلي ، ما كانت تملكه وضعته على الطاولة ، والورقة الأخيرة كانت إجبار أميركا على التدخل … أما ايران فلا زالت تملك الكثير اهمها “إغلاق المضائق” حيث يكفيها ثلاثة ايام فقط لكي تشل الإقتصاد الأميركي الذي بات على شفا جرفٍ هار ؛ وتحرك قوى التحرر في دول الطوق ؛ وامتلاك سلاح نووي ؛ وإنشاء حلف عسكري …
وفي قراءة للجو الإعلامي العالمي ، فإنه يميل كل الميل لصالح إيران “خاصة بعد ردها الكبير” ، أما الإستعراضات الليلية “بجماليتها” وليس بمفهومها التي تُقدّمها ايران ، فهي تُثلج قلوب أهل غزة الذي نامت عنهم عدسات الكاميرات ، لأن مشاهد ابادتهم بشتى انواع الطرق من جوع وحرق وقصف باتت اكثر من مألوفة ومُعتادة … أما حقيقة هذه الضربات لم تكن استعراضية ، بل شكلت تصريحًا عمليًا بأن لدى إيران [ عمقًا استراتيجيًا صاروخيًا قادرًا على ردع أي عدوان ، وأن تل أبيب ، بما تمثّله من رمز أمني واقتصادي ، لم تعد خارج دائرة الاستهداف ، ناهيك عن كشف هشاشة الدفاعات الصهيونية ، التي طالما سوّقت كأنها الأحدث والأكثر تطورًا في العالم ، مثلُها كمثل “الجيش الكرتوني” الذي لا يُقهر ] بالإضافة الى القدرة على كشف وتعطيل الاختراقات ، وقد تمثّل ذلك “بإسقاط طائرات F-35 كسابقة” ، ومسيّرات ، واعتقال عملاء الموساد ، ما يدلّ على فاعلية استخبارية مضادة ، وتعافٍ سريع من الصدمة
ختامًا ، لقد نجحت إيران في اختراق أقوى دفاع جوي في العالم والذي يُسلّحه كل الغرب بمعاونة جميع دول الإنبطاح في المنطقة ، وهذا كفيل ان يُجبر العدو الصهيواميركي على إعادة جميع حساباته ، اقله كي يبقي ماء وجهه ، فلقد بات تاريخه مليء بالهزائم ، واذا استمر في تعنته قد تكون تلك نهايته الحتميّة ، لذلك عليه اليوم ان يرجو ايران بالعودة الى المُفاوضات مع تهيئة نفسه لوضع الكثير من التنازلات ، “لأن الحليم تم اغضابه في الوقت الذي كان مُتساهلاً فيه”
2025-06-16
