“الشيطنة” أفعل سلاح بيد الأعداء
معن بشوّر
(كلمة أ. معن بشوّر المنسق العام للحملة الأهلية لنصرة فلسطين وقضايا الأمّة، والمنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية في مهرجان تأبين الشهيد القائد سمير القنطار الذي أقامته جبهة التحرير الفلسطينية في مخيم برج الشمالي صور، 26/12/2015)
من بين كل الفعاليات التي تقام تحية للشهيد البطل سمير القنطار ورفاقه في ربوع لبنان وسوريا والوطن العربي، يبقى لهذا اللقاء طعمه المميّز…
فهو يقام على أرض مخيم برج الشمالي التي شهدت أروع ملاحم التصدي للغزو الصهيوني عام 1982، وقدّمت العديد من الشهداء دفاعاً عن لبنان والثورة الفلسطينية، فكانوا أمناء على الرسالة التي أفنى عمره الشهيد سمير واستشهد في سبيلها…
وهو يقام على مشارف صور المدينة التي انطلق من شاطئها سمير القنطار كما انطلقت الشهيدة دلال المغربي ومجموعة كمال عدوان التي ما زال مفقود منها الأسير اللبناني يحيى سكاف، والعديد من العمليات الفدائية المماثلة.
وهو يقام بدعوة من جبهة التحرير الفلسطينية التي كان لها شرف احتضان عملية جمال عبد الناصر قبل 37 عاماً، والتي قادها البطل سمير القنطار واستشهد فيها رفيقاه الشهيدان عبد المجيد أصلان ومهنا المؤيد، وأسر فيها الرابع أحمد الأبرص ابن الساحل السوري الذي قدّم لفلسطين أيضاً عام 1929 شيخ أوائل ثوراتها الشهيد عزّ الدين القسام…
وهو يقام عشية الذكرى الحادية والخمسين لانطلاق الرصاصات الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة على يد حركة (فتح) ومؤسسيها الأبطال القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات، ومهندس الانتفاضة الأولى الشهيد القائد خليل الوزير وهي الانتفاضة التي تتجدّد اليوم على أرض فلسطين وبيد شباب لم يكونو قد ولدوا في انتفاضة الحجارة عام 1987…
كما يقام عشية الذكرى الحادية والأربعين لملحمة الطيبة التي استشهد فيها المناضل البعثي علي شرف الدين وولداه عبد الله وفلاح في 1/1/1975، ومعهما المدرس الشيوعي الشهيد محمود قعيق في مواجهة بطولية مع العدوان الصهيوني على بلدتهم، ليرسموا مبكراً ملامح المقاومة الوطنية التي تمكنت مع مجاهدي المقاومة الإسلامية وحزب الله من تحرير الأرض عام 2000، وصد العدوان عام 2006.
ويقام هذا اللقاء أيضاً عشية ذكرى الدكتور أنيس صايغ العقل الفلسطيني المتألق، وأبو ماهر أحمد اليماني المناضل الفلسطيني الثابت على الثوابت، والأستاذ رفعت صدقي النمر الشخصية الوطنية الفلسطينية التي ما ساومت وما هادنت في حق، وقد رحلوا في سنوات عدّة ولكن في مواقيت متقاربة، بعد أن أمضوا حياتهم مدافعين عن حق شعبهم الفلسطيني بالعودة والتحرير وحق أمّتهم بالوحدة والكرامة، ومثلوا القضية الوطنية بأنقى أشكالها، والمجتمع المدني الفلسطيني بأصفى تجلياته.
*****
إن “الشيطنة” هي أخطر الأسلحة التي يستخدمها أعداء أمّتنا في حربهم علينا، شيطنة المناضلين والشهداء، شيطنة الرموز والقادة، شيطنة الحركات والجماعات، شيطنة الشعوب والأمم، لأن هذه “الشيطنة” تقيم متاريس العداء والكراهية بين أبناء الأمّة الواحدة، والشعب الواحد، والقضية الواحدة، وتصرف أنظارنا عن أعدائنا وهم أخطر الشياطين التي تهدد حياتنا.
وأخطر ما في سلاح “الشيطنة” أنهم ينجحون في استخدامنا ضد بعضنا البعض، فيستدرجون بعضنا إلى شيطنة البعض الآخر، حتى إذا ما فرغوا من شيطنة ذلك البعض عمدوا إلى شيطنة البعض الآخر ممن وقع فريسة خداعهم، وهكذا تتواصل الحروب بيننا حتى يصبح أعداؤنا أسياداً علينا…
لذلك شيطنوا بالأمس القريب البطل والمناضل الكبير سمير القنطار وحاولوا تلطيخ صورته أمام أبناء أمّته ولم يشفع له كل تاريخه المليء باروع فصول العطاء والتضحية، ليشيطنوا في الغد كل مناضل أفنى عمره في سبيل أمّته وقضاياها المحقة…
إنهم “يشيطنون” التاريخ لكي يصادروا الحاضر بالفتن، ولكي يثقلوا المستقبل بالهزائم والخيبات، بل لكي يمزقوا الجغرافيا بالدماء، فعلوا ذلك مع الأنبياء كلهم، ومع الأولياء والصادقين منذ فجر التاريخ، وفعلوها مع قادتنا ورموزنا منذ عقود، وقلّما أفلت واحد منهم من شيطنتهم، وتذكروهم اليوم واحداً واحداً، تجربة تجربة، رمزاً رمزاً، تدركون أن ما يفعلوه اليوم مع سمير القنطار والمناضل الجولاني العربي السوري فرحان الشعلان قد فعلوه بالأمس مع كل رموزنا وقادتنا، مع كل مناضلينا وشهدائنا.
وجريمة سمير القنطار الكبرى أنه مع رفاقه في جبهة التحرير الفلسطينية رفضوا قبل 37 عاماً شيطنة جمال عبد الناصر قبل اتفاقية كمب دايفيد وتمهيداً لها فأطلقوا على عمليتهم البطولية في ساحل فلسطين المحتلة اسم جمال عبد الناصر…
وجريمة سمير القنطار الأخرى أنه رفض شيطنة المقاومة، فلسطينية أو لبنانية أو عراقية، فحمل رايتها في السجن على مدى ثلاثين عاماً، كما حمل المسيح عليه السلام (الذي نحتفل هذه الأيام بذكرى ميلاده)، صليبه ومشى، وكما حمل النبي محمد (ص) الذي نحتفل أيضاً بذكرى مولده، رسالته متحدياً كل الصعاب، ليطلق أحد الصحابيين الأبرار في مكًة صرخته المدوّية والمبكّرة، بوجه سياط الجلادين: أحد… أحد… أحد… أحد…
وجريمة سمير القنطار المسلم العروبي الأصيل أنه آمن بوحدة أمّته، ووحدة نضالها، ووحدة مصيرها، فانتقل وهو اللبناني من السجن في فلسطين إلى المقاومة في الجولان العربي السوري مدركاً أن لكرامة أمّته طريق واحد هو القتال حتى النصر أو الشهادة… وأن من يسكت يوماً عن جريمة إسقاط بلد عربي كسوريا أو العراق أو مصر إنما يساهم في إسقاط الأمّة كلها.
لذلك فأفضل ما نرد به على من اغتال سمير القنطار ورفاقه، ومن يقتل كل يوم شباب فلسطين وشاباتها، أطفالها وشيوخها، وهم على أبواب الشهر الرابع لانتفاضتهم الباسلة، هو أن نراجع جميعاً أنفسنا، ونطهّر ذاكرتنا من كل فنون شيطنة بعضنا البعض وأشكالها، ونطرد إلى الأبد من جداول أعمالنا فكرة الإقصاء والإبعاد والاجتثاث التي تحوم حولنا جميعاً، ولكي نتصالح أفراداً وجماعات، حركات وتيارات، شعوباً وأمماً، على قاعدة بسيطة “أن لا فضل لواحد منا على الآخر إلاّ بالمقاومة” ووفق معادلة بسيطة تقول “أن التباين في الرؤى والأفكار وحتى العقائد ضرورة لإغناء الشعوب وإثراء حضاراتها، لكن الصدام والتناحر ومحاولات شطب الآخر وإلغائه ضرر كبير على الأمم.
*****
فتحية للشهيد البطل سمير القنطار ولرفاقه، لاسيّما المقاوم البطل فرحان الشعلان ابن جبل العرب وسليل سلطان باشا الأطرش…
تحية للمقاومة العربية الممتدة على مدى تاريخ الأمّة وجغرافيا الوطن الكبير…
تحية لجبهة التحرير الفلسطينية وشهداء عملية جمال عبد الناصر وكل الشهداء…
تحية للشهيد القائد أبي العباس الذي كان استشهاده جسر التواصل بين فلسطين والعراق، كما هو اليوم استشهاد سمير القنطار جسر الكفاح بين فلسطين وسوريا عبر المقاومة اللبنانية التي هي فخر الأمّة وشرفها.
وتحية لشهداء الانتفاضة المستمرة في فلسطين وهم يثبتون بالسكين أن “العين تقاوم المخرز”..
وتحية لكل شهداء الأمّة من محيطها إلى خليجها، شهداء نضالها وشعوبها وجيوشها الأبطال…
29/12/2015