الشعوب تقلد بعضها!
كتب محمد السيد محسن
——-
في كل مرة ينتظر العالم العربي تونس لانها سباقة في قضايا التغيير في التاريخ القريب, منذ ثورة الخبز عام ١٩٨٤ حين استنهضت الشعوب العربية فقلدتها مصر ثم السودان ودقت جرس الإنذار في العراق وقتذاك , فعقد المؤتمر القطري لحزب البعث والذي اقر للعراقيين القائد الضرورة , كمنهج وسياق للحزب والدولة العراقية .
ومن ثم تحركت تونس من جديد بعد حريق البوعزيزي وما جر على العرب من واقع جديد سمي بالربيع العربي حيث تبعته مصر وتأثرت بسرعة تغيير نظام زين العابدين فلم تغلبها الا بيوم واحد فقط , وتبعتها ليبيا ومن ثم اليمن , وقلدت الشعوب العربية بعضها البعض , فسقط مبارك سريعا كما زين العابدين , وطاول علي عبد الله صالح كما طاول القذافي , فيما نجى بشار الأسد لكنه خسر وطنا بأكمله.
في منتصف القرن الماضي قلدت الشعوب نفسها فاستنسخت التجربة السورية السباقة التي قام بها ضباط سوريون يقودهم أديب الشيشكلي عام ١٩٤٩ وكانت اول حركة ضباط سرعان ما تم تقليدها للإطاحة بالأنظمة الملكية, بدءًا من مصر ثم العراق وتأخرت ليبيا حتى عام ١٩٦٩حين انقلب الضابط معمر القذافي على الملك السنوسي ليعلن الجماهيرية العربية الديمقراطية الشعبية الليبية العظمى. ويعطيها أطول عنوان لدولة في العالم.
اليوم يتم استنساخ تجربة متشابهة وعلى مدى سرعة ملفت للنظر حيث ينفجر الشارع في لبنان من اجل الإطاحة بالنظام السياسي “الطائفي” الذي اقره اتفاق الطائف عام ١٩٩١ بعد حرب أهلية فتكت بالبلاد على مدى سبعة عشر عاما, وأقرب مثال لهم في التقليد هي التجربة العراقية التي أسسها بول بريمر بالتعاون مع الأخوة المجاهدين والملتحين الذين قدموا من الخارج ليقودوا العراق نحو ضفة الطائفية والتحاصص , ويرموا باصحاب الفضل في ايصالهم الى سدة الحكم نحو الهامش , حيث فلتت الأمور من احمد الجلبي وإياد علاوي , مثلما أفلتت الأمور في لبنان من منظمة أمل وعائلة كرامي ونهضت تيارات وعائلات لبنانية جديدة تستقوي بالسعودية وايران.
واذا كانت لبنان تخشى من البلقنة , بعد تفكك يوغسلافيا “تيتو” واذا كنا نخشى من اللبننة في العراق بعد ٢٠٣ , فان اللبنانيين اليوم يحاولون التخلص من عرقنة بلادهم , فرفع بعضهم لافتة كتب عليها: “شلع قلع كلهم حرامية”.
والمثير في الأمر ان شيعة السياسة في كلا البلدين هم من يرفض المظاهرات بدعوى خشية ان تحل الفوضى بديلا.
العراقيون خرجوا في تشرين الأول دون واعز من زعيم ملتح او ممن نزعوا لحيتهم بعد ٢٠٠٣ , كما ان اللبنانيين اصطفوا دون واعز من قيادي في ” ١٤ آذار” او ” ٨ آذار” كما قسمهم اغتيال رفيق الحريري.
ان الشعوب التي تقلد بعضها وتغير حكامها كما تنتزع ثوبها , او تقتنع بموضة حكم جديدة عليها ان تضج بشكل صحيح , كي لا يفلت زمام السيطرة كما في الربيع العربي حيث رفع المتظاهرون صورة الملتحي “تشي جيفارا” بيد ان الحكم آل الى لحية الإسلام السياسي الشيعي والسني .
وفي هذا أيضاً تقليد لتجربة العراق بعد ٢٠٠٣ حيث كان من المفترض ان تناط قيادة القرار الى إياد علاوي او الجلبي وهما رائدا مشروع إسقاط صدام حسين بهذا الشكل المنفلت وخارج الشرعية الدولية , لكن السلطة آلت الى الإسلام السياسي الشيعي , وبقي علاوي يناور بمذهب والديه الشيعي ويحتضن المدنية دون جدوى, فيما قضى الجلبي نحبه وسط شكوك تحوم باتهام قيادات شيعية بتصفيته.
alsaidmohsin@gmail.com
2019-10-23