الشرق الأوسط على حافة زمنٍ بلا قواعد!
بقلم: خالد صالح عطية
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط قابلًا للفهم بوصفه جولةً عسكرية جديدة، ولا حتى تصعيدًا تقليديًا بين قوى إقليمية متنافسة. ما نشهده أقرب إلى لحظة انكشاف تاريخي، لحظة تتآكل فيها القواعد التي حكمت المنطقة منذ نهاية السبعينيات، دون أن تظهر بعدُ قواعد جديدة قادرة على تنظيم الصراع أو احتوائه. ولذلك يبدو المشهد مرتبكًا: الجميع يتحرك، الجميع يهدد، الجميع يستعد، لكن لا أحد يملك تصورًا واضحًا لما بعد الضربة التالية.
ما يجعل هذه اللحظة مختلفة ليس فقط حجم التصعيد، بل الشعور بأن الزمن نفسه فقد إيقاعه المعتاد. الأحداث تتسارع، لكن المعنى يتأخر عن اللحاق بها. القرارات تُتخذ بسرعة، بينما الإجابات الكبرى ما تزال غائبة. حتى التحليل يبدو أحيانًا وكأنه يطارد واقعًا يتحرك أسرع من قدرته على الفهم. ولهذا لا تبدو المنطقة كأنها تتجه نحو حرب واضحة بقدر ما تبدو وكأنها تعيش داخل مرحلة انتقال لم تتحدد نهايتها بعد.
الخطأ الأكبر في قراءة اللحظة الراهنة هو التعامل معها باعتبارها صراع إرادات بين دول بعينها. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام أزمة في بنية النظام الإقليمي نفسه؛ أزمة في معنى القوة، وفي وظيفة الحرب، وفي قدرة الردع على الاستمرار كآلية لضبط السلوك السياسي. الردع، الذي حكم المنطقة لعقود، لم يعد يعمل بالطريقة ذاتها. لم يعد الخوف المتبادل كافيًا لإيقاف التصعيد، ولم تعد الخطوط الحمراء واضحة كما كانت. كل طرف يختبر حدود الآخر، وكل اختبار يحمل احتمال الانزلاق إلى ما لم يكن مخططًا له. والمشكلة أن كل طرف يعتقد أنه يدير التصعيد، بينما الواقع يوحي بأن التصعيد نفسه بدأ يدير الجميع.
منذ 1979 تشكل في الشرق الأوسط توازن غير مكتوب: إيران كقوة أيديولوجية صاعدة، إسرائيل كقوة عسكرية متفوقة، الولايات المتحدة كضامن أعلى، ودول الخليج كمركز اقتصادي وطاقوي. هذا التوازن لم يكن مستقرًا، لكنه كان مفهومًا. الجميع عرف قواعد اللعبة، حتى في لحظات العنف. اليوم، ما يتفكك ليس فقط هذا التوازن، بل القدرة نفسها على الاتفاق على قواعد بديلة. الولايات المتحدة لم تعد راغبة في إدارة المنطقة بالكلفة القديمة، إسرائيل تتحرك بقلق وجودي متزايد، إيران بلغت حدود نموذجها التوسعي، والنظام العربي يعيش إعادة تموضع حذرة بين الخوف من الفوضى والخشية من الانخراط المباشر.
في هذا السياق، تبدو الدوافع الأمريكية والإسرائيلية أكثر تعقيدًا مما يُطرح في الخطاب العلني. الولايات المتحدة تتذرع بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها في العمق تسعى إلى إعادة ضبط ميزان القوى الإقليمي ومنع ظهور قوة قادرة على تحدي نفوذها أو تهديد أمن الطاقة العالمي. أما إسرائيل، فترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، لكنها في الوقت نفسه تتحرك تحت ضغط داخلي هائل؛ مجتمع يعيش صدمة أمنية عميقة منذ السابع من أكتوبر، ونخبة سياسية ترى في التصعيد العسكري وسيلة لاستعادة الردع وإعادة إنتاج الإجماع الداخلي. لذلك يتحول الخطاب الأمني إلى أداة تعبئة داخلية بقدر ما هو مبرر خارجي للحرب.
لكن أي قراءة للمشهد تبقى ناقصة إذا تجاهلت الدور الصامت للقوتين الأكبر خارج الإقليم: الصين وروسيا. فغيابهما الظاهري لا يعني غياب التأثير، بل يعكس نمطًا مختلفًا من الحضور.
روسيا تنظر إلى التصعيد من زاوية موازين القوى العالمية أكثر من زاوية الشرق الأوسط نفسه. انشغالها العميق في أوكرانيا يجعلها حذرة من الانخراط المباشر، لكنها ترى في استنزاف الغرب فرصة استراتيجية. موسكو لا تسعى إلى انفجار شامل يخرج عن السيطرة، لكنها لا تمانع في لحظة تُضعف الهيمنة الأمريكية وتعيد تثبيت فكرة عالم متعدد الأقطاب. لذلك يتحرك موقفها بين دعم سياسي محسوب لإيران، وتجنب التورط العسكري المباشر.
أما الصين، فتمثل نموذجًا مختلفًا تمامًا. بكين لا تنظر إلى الشرق الأوسط كساحة صراع أيديولوجي، بل كعقدة مركزية في شبكة الاقتصاد العالمي. ما يهمها هو استقرار تدفق الطاقة وسلامة طرق التجارة. لهذا تميل إلى خطاب التهدئة والحلول السياسية، لكنها تتجنب أي دور أمني مباشر. الصين تخشى أن يؤدي انفجار واسع إلى تعطيل الاقتصاد العالمي الذي تقوم عليه قوتها، ولذلك تفضل الحضور الاقتصادي الهادئ بدل المغامرة السياسية.
المفارقة أن حضور الصين وروسيا، رغم أهميته، لا يترجم إلى قدرة فعلية على منع التصعيد. كلاهما يفتقد الإرادة — وربما القدرة — على لعب دور الضامن الذي لعبته الولايات المتحدة لعقود. وهنا تكمن خطورة اللحظة: عالم متعدد القوى، لكنه بلا مركز قادر على فرض قواعد واضحة. الجميع حاضر، لكن لا أحد مستعد لتحمل كلفة الاستقرار.
في هذا السياق، تبدو الحرب الجارية — أو شبه الجارية — تعبيرًا عن فراغ سياسي أكثر منها مشروعًا استراتيجيًا واضحًا. الحديث عن “ضربة حاسمة” أو “نصر سريع” يعكس رغبة في اختصار الزمن لا قدرة على إعادة تشكيله. فالمنطقة لم تعد تحتمل حروبًا تنتهي بتسويات واضحة، بل تدخل في دورات استنزاف طويلة، حيث يتحول كل انتصار تكتيكي إلى مأزق استراتيجي جديد.
السؤال المطروح الآن: هل الهدف إسقاط النظام في إيران أم إعادة ضبط سلوكه؟ نظريًا يبدو الفرق واضحًا، لكن عمليًا يذوب هذا الفرق مع تصاعد الضربات. التجارب الحديثة أظهرت أن إسقاط الدول لا ينتج استقرارًا، بل يفتح فراغًا طويل الأمد. وإيران، بما تمثله من عمق جغرافي وتنوع قومي وثقل سكاني، ليست ساحة يمكن أن تنهار دون أن يمتد الارتداد إلى كامل الإقليم.
لهذا يبدو الحديث عن “كسر عظم” أقرب إلى وصف نفسي منه إلى خطة سياسية. فالمنطقة لا تحتمل انتصارًا كاملًا لأي طرف. إسرائيل تدرك أن الردع الصاروخي لن يُحسم نهائيًا، وإيران تدرك أن المواجهة المفتوحة قد تهدد بنية النظام نفسه، والولايات المتحدة تدرك أن أي انزلاق واسع قد يعيدها إلى حرب طويلة لا تريدها. ومع ذلك يستمر التصعيد، لأن البديل السياسي غير موجود.
الأخطر في هذه اللحظة ليس احتمال الحرب الكبرى بحد ذاته، بل غياب القصة التي تبررها أو تحدد نهايتها. لا توجد رواية جامعة لما بعد الحرب، ولا تصور واضح لشكل النظام الإقليمي القادم. وحين تتحرك القوة بلا رواية، يصبح العنف قابلًا للاستمرار دون أفق.
هذا الفراغ يفسر أيضًا التناقض الصارخ في المواقف الدولية. العالم يتحدث عن القانون الدولي حين يخدم مصالحه، ويتجاهله حين يتعارض معها. تتسع الفجوة بين خطاب الشرعية وممارسة القوة، ما يعمق الإحساس بأن النظام العالمي نفسه يمر بمرحلة انتقالية خطرة. لسنا أمام نظام أحادي كما بعد الحرب الباردة، ولا أمام تعددية مستقرة بقواعد واضحة. نحن في منطقة وسطى، حيث تتآكل المرجعيات القديمة قبل أن تولد الجديدة.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الشرق الأوسط مختبرًا مبكرًا للفوضى العالمية. المضائق البحرية، الطاقة، القواعد العسكرية، الشبكات الإقليمية — كلها تتحول إلى نقاط ضغط في لعبة أكبر من حدود المنطقة. والمفارقة في هذه اللحظة أن الجميع يخشى الانفجار الكامل، بينما يساهم كل طرف في دفع الأمور نحوه خطوة إضافية. ليس لأنهم يريدون الحرب، بل لأنهم فقدوا القدرة على إنتاج بديل سياسي مقنع .
من هنا، قد يكون السؤال الأهم ليس متى تنتهي هذه المواجهة، بل ما إذا كنا نعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة. فحين يتآكل الردع، وتفقد القوة معناها، ويصبح السلام مجرد إدارة مؤقتة للأزمات، ندخل زمنًا جديدًا لا تُعرف قواعده بعد. زمنًا تتحرك فيه الدول تحت ضغط الخوف من المستقبل أكثر من سعيها إلى تشكيله.
وأين يقف السؤال الفلسطيني في كل هذا؟ في خضم هذا المخاض الإقليمي، يبرز سؤال غالبًا ما يُدفع إلى الهامش: ماذا يعني هذا التحول لفلسطين؟ فإعادة تشكيل موازين القوة لا تجري في فراغ، بل تعيد تعريف موقع القضية الفلسطينية نفسها. كلما انشغلت المنطقة بصراعاتها الكبرى، ازداد خطر تحويل فلسطين إلى ملف إنساني يُدار بدل أن يُحل سياسيًا. وفي المقابل، يكشف هذا التحول هشاشة الرهان على مراكز قوة خارجية، ويعيد السؤال إلى جوهره الأول: كيف يحافظ شعب يعيش داخل عاصفة إقليمية على معناه السياسي كفاعل، لا كملف تابع لصراعات الآخرين ؟
ربما لن تقع الحرب الكبرى، وربما تقع. لكن الأكيد أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة ما بعد اليقين. وما يجري اليوم ليس مجرد صراع على النفوذ، بل صراع على شكل النظام الذي سيولد بعد هذا المخاض الطويل. وفي غياب رؤية واضحة، يصبح الخطر الأكبر أن تتحول الحرب إلى لغة دائمة، وأن يتحول الاستقرار نفسه إلى هدنة مؤقتة تنتظر صدمة جديدة.
في النهاية، لا يبدو الشرق الأوسط على حافة حرب واحدة، بل على حافة زمن جديد لم يُكتب نصه بعد. زمنٍ تتآكل فيه المراكز القديمة، وتتقدم القوى بخطوات حذرة نحو مجهول لا يملك أحد خريطته الكاملة. وحين يحدث ذلك، لا تعود الأسئلة عن من سينتصر، بل عن أي عالم سيبقى بعد أن تنتهي جولات الاختبار هذه — إن انتهت أصلًا.
2 مارس 2026