الشرع” بين خطاب الاعتدال واستمرارية صراع الأيديولوجيات!
أمجد إسماعيل الآغا
في تحليل المشهد السياسي السوري الراهن، يمكننا التأمل في التداخل العميق بين الطروحات السياسية الجديدة ومحاولة إعادة تشكيل هوية الدولة السورية ضمن شبكة علاقات دولية وإقليمية معقدة ومتداخلة. في هذا السياق، برز في وقت سابق خطاب “الشرع” كاستراتيجية سياسية تسعى إلى إعادة بناء الشرعية والمكانة السورية عبر طرح بديل يبدو منحازاً إلى تثبيت الاستقرار وضبط المجال السياسي بما يخدم مصالح النظام أو قوى محلية تتقاطع مع مشروع الدولة العميقة. هذا الخطاب يعمل على إعادة تعريف الهوية السياسية السورية بعيداً عن رموز العنف والتطرف التي شاعت في مراحل سابقة من الصراع، سواء عبر التنظيمات الجهادية أو الحركات الإخوانية، أو حتى موجات الحراك الثوري التي تجسدت في “الربيع العربي”.
مع ذلك، فإن هذا الفصل المعلن بين الخطاب الجديد وأيديولوجيات التطرف لا ينبغي أن يُنظر إليه كحقيقة قاطعة تثبت أن سورية قد تجاوزت جذور الأفكار المتطرفة. فعلى مستوى التحليل السياسي الداخلي، فإن الخطاب السياسي الجديد لا يخلو من مخاطر الاستمرارية غير المباشرة لنفس الأيديولوجيات، بل قد يكون تعبيراً متجدداً عنها بملامح جديدة، إذ إن محاولات الفصل هذه غالباً ما تكون استراتيجية تكتيكية لإضفاء شرعية جديدة على النظام أو الفاعلين السياسيين، ولحجب عيوب استمرار الانغلاق السياسي والقمع، وهو أمر يعيد إنتاج حالة من الاستقطاب والقطيعة مع الفئات المعارضة أو المناهضة، بل قد يعزز من نمط الحكم الذي يفضي إلى انتظام السيطرة الأيديولوجية في صورة مغايرة.
عليه، فإن المراقب الدولي المتابع للملف السوري ينظر إلى هذه التحولات بعين شكّية، مدركاً أن الخطاب الجديد لا يضمن بهذه العوامل الذاتية أو الشكلية قدرة النظام السياسي في سورية على التحرر من الأيديولوجيات التي غذت الصراع، بحيث قد يظل مثقلاً بها، أو يستخدمها بطرق أيديولوجية ونفعية بدلاً من التخلص منها، وهذا يشكل تحدياً أكبر في إمكانية بناء نظام سياسي مستقر وشامل يفسح المجال للمعارضة والفاعلين الاجتماعيين كافة، وهو ما يقتضي رؤية أعمق وأطول مدى لهذه التحولات وليس مجرد تأمل في تغييرات الخطاب وحده، بل ضرورة تفكيك البناء الاجتماعي والسياسي الذي يستند إليه هذا الخطاب ويحكم فعلياً المجتمع السوري.
تصريح الشرع في هذا الإطار السياسي يمثل انعكاساً بالغ التعقيد لما يمكن تسميته بالتحولات الشكلية داخل منظومة الحكم السورية، إذ تؤكد المؤشرات التي تنبع من هذا التصريح بروز تناقضات جوهرية تمس عمق النظام السياسي الجديد برمته. فعلى الرغم من أن “الشرع” لا يشكل امتداداً مباشراً أو صريحاً لمخططات التنظيمات الجهادية أو الحركات الإخوانية البارزة، إلا أنه لا يخلق انفصالاً حاسماً مع الفضاء الأيديولوجي الذي ظل يغذي مشاعر الرفض للسيرورة المدنية للدولة وللنظام السياسي الدستوري الحديث. هذه الأيديولوجيات التي لا تزال متجذرة، لا تعمل فقط على رفض بناء الدولة المدنية بمعاييرها الحديثة، بل توظف الخطاب السياسي عبر أدوات ديماغوجية مستوحاة من شعارات تحلق فوق مستوى الواقع السياسي والاجتماعي، مما يساهم في استمرار حالة الاحتقان الطائفية التي تندفع بها الخطابات الإعلامية المتحيزة والتي تستخدم التجييش كمكوّن أساسي في إدارة الصراع السياسي الداخلي.
في هذا السياق، يمكن القول إن الأيديولوجيات المتطرفة لم تتعرض لهزيمة جذرية تعيد تشكيل المشهد السياسي السوري بشكل يقطع مع ماضي الصراعات الدامية التي مرت بها البلاد. بل على العكس، فقد تمارس هذه الأيديولوجيات ضغوطاً مركبة لإعادة تكييف خطابها وتحديث عبارات خطابها السياسي بما يمكنها من تقديم صورة أكثر اعتدالاً وملاءمة على المستويين الدولي والإقليمي، محاولة بذلك استعادة موطئ قدم في إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية التي باتت مضطربة بفعل التدخلات المشتركة وتغيرات التحالفات الاستراتيجية. إن هذه المحاولات الذكية ذات الطابع البراغماتي تكشف عن قدرة هذه الأيديولوجيات على استغلال هشاشة النظام السياسي الحالي، ليصبح خطابه ليس فقط أداة للحفاظ على النفوذ الداخلي، بل وسيلة للتفاوض الدولي ومحاولة كسب تعاطف أو قبول من القوى الإقليمية والدولية المختلفة، رغم استمرار جذورها الأيديولوجية في بعض جوانبها التي تعيق بناء دولة تعددية مدنية.
هذا المشهد المعقد يفضي إلى توليد واقع سياسي جديد لا يعيد ببساطة نسخ المبادئ القديمة على واجهات ظاهرية جديدة، بمعنى أن النظام السياسي في سورية الآن يوظف استراتيجيات دقيقة في إدارة الصراع والتنافس على السلطة وذلك عبر تركيب شبكة علاقات نفوذ مستحدثة تراكمت عبر السنوات وتلتف حول الخطاب السياسي الذي يتبنى تصفير المشاكل أو الحد من تجليات التوتر الصريح، بحكم أنها توفر مجالاً لاحتواء الانقسامات بدل التصارع المفتوح، لكنها في الجوهر تقوم على تجيير مصالح متشابكة وتطوير أدوات السيطرة، مما يعكس قدرة النظام على إعادة تشكيل ذاته وليس على تخليها عن موروثاته القديمة.
هذا الوضع يفرض قراءة معقدة للواقع السوري، لا تقتصر على فكي العقدة الأيديولوجية أو السياسية فحسب، بل تضع في عين الاعتبار حقيقة أن ما يحدث ليس فقط صراعاً بين رؤى متناقضة أو صراعاً على السلطة، بل هو أيضاً لعبة استراتيجيات تتعامل معها القوى السياسية والاقليمية والدولية بمهارة بحيث تولد نماذج جديدة من الحكم والسيطرة متنوعة في أدواتها لكنها مترابطة في غاياتها، وهذه النماذج تعكس التحديات الكبرى في بناء سوريا ما بعد الصراع، إذ من البديهي أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتم عبر مجرد إعادة صياغة الخطابات أو تبني شعارات جديدة بل يتطلب تحولات جوهرية في بنية السلطة وفي نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي لطالما زُرعت فيها بذور الصراع. لذلك، يظل إعلان “الشرع” أو أي خطاب سياسي شبيه مؤشراً ضمن مشهد يتسم بالغموض والتعقيد ويرسم حدود بعض التطلعات دون أن يكون مؤشراً جازماً على قدرة النظام أو قواه السياسية على تجاوز إرث الصراع الإيديولوجي والصيغ القديمة للحكم والسيطرة.
كاتب وباحث سياسي
2025-09-03