السَّيِّد حسن نصر الله.. كُلَّ هذا الحضور الاستثنائيّ..!
سعود قبيلات
حضور السَّيِّد حسن نصر الله استثنائيٌّ ليس في وطنه الصَّغير فقط، وليس في البلاد العربيَّة وحدها؛ بل في العالم كُلِّه..
كان كذلك في حياته، وازداد كثافةً، بمرَّاتٍ كثيرةٍ، بعد استشهاده..
كان ملايين النَّاس يترقَّبُون خطاباتِه؛ مِنْ أبسط النَّاس وحتَّى الرُّؤساء الأميركيين؛ وخصوصاً، قادة الكيان العدوّ ومستوطنيه..
لماذا؟
لأنَّه كان صادقاً؛ يقرنُ القولَ بالفعلِ، ويُعبِّرُ عن الواقعِ كما هو، ولا يُحرِّفُ الحقائقَ؛ ولأنَّه كان حكيماً وعميقاً؛ ولأنَّه كان يضع نفسَهُ فوق الانقسامات البدائيَّة.. المذهبيَّة، والطَّائفيَّة، والإثنيَّة..
لذلك، فمحبُّوه والمُعجَبون به مِنْ كُلِّ الألوان: مؤمنون وغير مؤمنين؛ متديّنون وغير متديّنين؛ يساريّون وإسلاميّون؛ عرب ومِنْ مختلف الجنسيَّات..
كان واضحاً في اصطفافه، على المستوى اللبناني والعربيّ والعالميّ؛ كان، بلا لبس، في الخندق المعادي للإمبرياليَّة والصّهيونيَّة وحلفائهما وأتباعهما.. واُستُشّْهِدَ وهو في هذا الخندق ذاته..
ومَنْ يفتقده الآن بشدَّة، ومَنْ يرثيه الآن بحُرقة، ليس رفاقَه في حزب الله وحدَهم، ولا الشِّيعةَ وحدَهم؛ بل جميع الواقفين، بلا لبس، في الخندق المعادي للإمبرياليَّة والصّهيونيَّة، وحلفائهما وأتباعهما.. مهما كانت هويَّاتهم الفكريَّة والسِّياسيَّة ومذاهبهم وطوائفهم..
أمَّا الفرحون برحيله، والشَّامتون بحزن رفاقه ومحبِّيه وأصدقائه لِفَقْدِهِ، هم الَّذين يقفون في الخندق الآخر.. الخندق الإمبرياليّ والصَّهيونيّ وحلفائه وأتباعه، بغضِّ النَّظرِ عن مزاعمهم وادِّعاءاتهم..
ونحنُ، حين نكتبُ عن الشَّهيد نصر الله، لا نكتب لهؤلاء، ولا نكتبُ للجدال معهم؛ فنحن نعرفُ أنَّ هذا الجِدال بلا طائل؛ فهم مرتهنون لشروط خندقهم، وحين ينظرون منه إلى الجهة الأخرى، فيرون المصطفّين في الخندق الآخر، فإنَّهم، بالتَّأكيد، سيشعرون بالحنق والحقد وتعمى بصائرهم.
نحن، حين نكتبُ عنه، أو نتحدَّث عنه، فإنَّما نحاولُ أنْ نفيه شيئاً مِنْ حقِّه؛ نحاول أنْ نفي قِيمَ المقاومة والبطولة والصُّمود والتَّصدِّي؛ قِيم الانحياز إلى الأمة وقضاياها الحقيقيَّة، ما يستحقّه وما تستحقّه مِنْ معاني الصّدق والوفاء والتَّقدير.
هذا الحضور الَّذي امتلكه السَّيِّد حسن نصر الله، لم يشهده العالمُ العربيّ (بل العالم كُلُّه) منذ رحيل القائد العربيّ الاستثنائيّ جمال عبد النَّاصر..
كان حسن نصر الله يتزيَّا بالعمامة والجبّة؛ لكنَّه كان يحمل في رأسه عقلاً علميّاً نيّراً منفتحاً، وقَلْبَاً رحيماً محبَّاً، وشعوراً عالياً بالمسؤوليَّة الوطنيَّة والقوميَّة والإنسانيَّة..
في لبنان، سعى دائماً إلى مَدِّ يده إلى جميع الَّذين يمكن أنْ يكونوا في خندقه، أو حتَّى الَّذين يمكن أنْ يكونوا في منطقةٍ قريبةٍ، على نحوٍ ما، مِنْ خندقه، مهما كانت أفكارهم وتوجّهاتهم أو مذاهبهم وطوائفهم..
ولم ينطلق في موقفه هذا، بتاتاً، مِنْ منطَلَقٍ مذهبيٍّ طائفيّ..
حزب الله، بقيادة حسن نصر الله، قدَّم مئة شهيد، لإيصال السِّلاح إلى حماس في غزَّة.. ويجدرُ بالَّذين يجهلون هذه الحقيقة أنْ يبحثوا في الفضاء الإلكترونيّ عن أخبار القضيَّة الَّتي سُمِّيتْ «قضيَّة خلِّيَّة سامي شهاب»، الَّتي اُعتُقِلَ أعضاؤها في مصر في عهد حُسني مبارك، وقد أشبعها الإعلام المصريّ الرَّسميّ كلاماً كثيراً، أغلبه كان معادياً محرِّضاً (لكنَّه كثيراً ما كاشفاً أيضاً) في تغطياته لتلك المحاكمة..
وعندما حقَّقت مقاومةُ حزبُ الله النَّصرَ على العدوِّ في العام 2000، وفرضت عليه الانسحابَ مِنْ جنوب لبنان، وألقى السَّيِّد نصر الله خطاب النَّصر، لم يتجاهل قوى المقاومة الَّتي سبقت حزب الله، ممثَّلةً في حركة المقاومة الوطنيَّة اللبنانيَّة «جمُّول»، الَّتي كانت تضمُّ الحزبَ الشُّيوعيّ اللبنانيّ والحزب السُّوريّ القوميّ الاجتماعيّ، والَّتي قدَّمتْ العديدَ من الشُّهداء، وفرضتْ على العدوّ الانسحاب مِنْ بيروت ومِنْ مناطق واسعة مِنْ لبنان حتَّى انحسر وجوده واقتصر على جنوب لبنان..
لم يتجاهل السَّيِّد نصر الله، في خطابه ذاك، الدَّور البطوليّ المهمّ لتلك المقاومة، بل أشار إليها، وخصَّها بالاحترام والتَّقدير، مسمِّياً الحزب الشُّيوعيّ اللبنانيّ والحزب السُّوريّ القوميّ الاجتماعيّ..
كان السَّيِّد نصر الله يبدأ خطاباته، خصوصاً المرتبطة بالمناسبات الدِّينيَّة، بالأدعية الدِّينيَّة والدِّيباجات الدِّينيَّة، حسب الأصول المتَّبعة؛ لكنَّه، عندما ينتقل إلى الحديث في السِّياسة، كان يتكلَّم بلغة السِّياسة، وبمفاهيم السِّياسة؛ لكن أيضاً، بحكمةٍ ومبدئيَّة عاليتين، وبأفقٍ مفتوحٍ على جميع المكوِّنات الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، اللبنانيَّة والعربيَّة والعالميَّة.
كانت خطاباته تذكّرني بخطابات جمال عبد العبد النَّاصر الَّتي كان يبدأها بعبارة: أيُّها المواطنون..
فالمواطَنة كانت، بالنِّسبة لعبد النَّاصر، هي الأساس (وليس المذهب أو الطائفة أو الإثنيَّة)؛ وكان يسعى بوعي ومبدئيَّة إلى تثبيت هذا الأساس، ليهدم أُسسَ الفرقة والانقسام، يبني وحدة الأمّة ويُصلِّبَ بُنيانَها..
وعندما كان ينتقل إلى الحديث عن أطراف الصِّراع في زمنه، كان يحدِّدُ، بوضوح، مَنْ هم الأصدقاء، ومَنْ هم الأعداء.. كانت حركات التَّحرُّر العربيَّة والعالميَّة، والاتِّحاد السُّوفييتيّ والبُلدان الاشتراكيَّة، في خندق الحلفاء والأصدقاء، بالنِّسبة له؛ وكانت الإمبرياليَّة والصّهيونيَّة والرَّجعيَّة التَّابعة لهما في خندق الأعداء.. وظلَّ هكذا حتَّى غادر الحياة..
وحسن نصر الله، لم يرضَ لنفسِه أنْ يجلس على مقاعد المتفرِّجين، مثل كثيرين؛ بل ظَلَّ يرابطُ في ميدان الكفاح، طوال حياتِه، منافحاً عن بلده وعن الأمّة كلّها؛ وحين كانت تدلهمّ الخطوب على الأمّة، وتستشري توجُّهات التَّفريط والاستسلام أمام العدوّ، كُنَّا نُراهن عليه وعلى مقاومته، متأكِّدين أنَّ هذه المقاومة ستكونُ العقبةَ الكأداء في وجه الأعداء والمستسلمين لهم.
وفي النِّهاية قدَّم حياتَه في ميدان الكفاح؛ وقبل ذلك، كان قد شهد ابنه يُقدِّم حياتَه في الميدانِ نفسِه..
لقد رحل القائد الكبير، والمقاومَ الكبير، لكنَّ المقاومةَ لا تزال حاضرة، ولا تزال هي رهاننا، ورهان الأمّة؛ سواء أكانت مقاومة غزَّة أم مقاومة حزب الله والفصائل الوطنيَّة في لبنان، أم مقاومة أنصار الله في اليمن، وسوى ذلك من المقاومين في مختلف أنحاء الوطن العربيّ والعالم..
وإنَّ الأمّة العربيَّة الَّتي أنجبت جمال عبد النَّاصر، وأنجبت، بعد ذلك بعقودٍ، حسن نصر الله، لقادرة على أنْ تُنجب، دائماً، كُلَّ ما تحتاجه من القادة والمناضلين البواسل الأوفياء..
وتاريخ هذه الأمَّة هو تاريخ المقاومة؛ وأمَّا وقائع الاستسلام، فلم تكن سوى استثناءات تؤكِّدُ هذه القاعدة…
عاشت المقاومة،
وعاشت ذكرى الشَّهيد العظيم السَّيِّد حسن نصر الله،
والمجدُ والخلود لذكرى الشُّهداء الأبرار جميعاً..
2025-09-28