الرئيس الأسد يدعم “الجماعات الارهابية” حتى في الغرف المغلقة
اسماعيل القاسمي الحسني
تعود المواطن العربي على التصريحات والبيانات التي تسوق في الاعلام المرئي منه على وجه الخصوص، وأغلبها فقدت قيمتها لكونها أعدمت كل مقومات الصدق، فما بين ما يقوله ذلكم الرئيس أوالملك وبين واقع تعاطيه كما بين مشرق الشمس ومغربها؛ لذلك تجد الرأي العام العربي لا يلقي بالا لخطب القادة ولا يلتفت لبياناتهم، اللهم إلا من باب التندر والسخرية والهزء، وهنا أعني تحديدا ما تعلق بالقضية الفلسطينية والتعامل مع العدوالاسرائيلي. ويبقى المواطن العربي يجهل حقيقة وواقع موقف القادة العرب ورؤيتهم لمسألة مواجهة العدو؛ ولا يدري ماذا يجري في الغرف المغلقة، وكيف تدار الحوارات وما هي المفردات وغيرها.
يبدوأن هناك عرفا تتعامل به الانظمة في العالم، ولا أعرف له مستندا قانونيا، يقضي باعتبار محاضر الجلسات المغلقة، وثائق سرية يمنع نشرها للرأي العام، إلا بعد مضي وقت كاف للتقليل من تأثيرها وأحيانا إعدامه بشكل كلي؛ وهنا أذكر مثلا لا حصرا، موقفا طريفا تعرضت له في لقائي مع الوزير فيصل المقداد بمكتبه، حين سلمني نسخة من محضر لقاء جمع بين أطراف دولية كان من بينها ممثل الولايات المتحدة، وفي جزء منه تمّ التعرض للسيد الأخضر الابراهيمي بصفته مبعوث الامم المتحدة لسوريا، وكيفية وطرق توظيفه لصالح المحور الامريكي، وكان لافتا استعمال ممثل الولايات المتحدة مفردات لا تليق بحق شخصية بحجم الأخضر الابراهيمي، تعكس مدى احتقاره وهوانه، واعتباره مجرد أداة لا أكثر وعليها أن تتبع التعليمات، لكن الطريف هنا أن السيد فيصل المقداد بقي ممسكا بطرف نسخة المحضر السري وهويسلمني اياها، وأبى أن يطلقه من بين اصبعيه إلا بعد أن تحصل مني على وعد صادق ألا آتي على ذكر تفاصيل ما قد أقرؤه من كلام صادم فعلا. مع أن محضر الجلسة ليس سوريا، ومع أن موضوعه يخدم بشكل مباشر وقوي موقف القيادة السورية، ومع أن كشف مضمونه سيعري أمام الرأي العام نظرة الغرب للسيد الابراهيمي ودوره، كل هذا لم يكن كافيا لتخطي ذلكم العرف، وصمّم الوزير السوري على عدم نشر المعلومات الصادمة.
(أُذن لي بقراءة المحضر، لكن مُنعت من الحصول على نسخة منه)؛ ونفس الموقف حدث لي مع السفير السوري السابق في الاردن، اللواء بهجت سليمان، حين أطلعني على وثيقة مهمة لجهاز مخابرات المقاومة الاسلامية “حزب الله”، التي تكشف بدقة عالية، عن رصدها لمخطط جدّي لنظام عربي، هدفه التصفية الجسدية للسفير بهجت سليمان في عمان، ما أنقذه من موت يكاد يكون محققا؛ ومع أن الموضوع في تقديري أن كشفه للرأي العام يخدم الموقف السوري، غير أن اللواء رفض تسليمي صورة عن الوثائق، بل انتزع مني هوكذلك وعدا بعدم التعرض لتفاصيل ما علمت؛ الحقيقة أني لم أجد مبررا ولا تفسيرا لهذا الموقف سوى أمل القيادات المعنية بتراجع الدول الخليجية عن سياساتها، أما بالنسبة للوزير فيصل المقداد فلعل توقيت الزيارة الاولى للسيد ديمستورا لدمشق الذي صادف لقائي به، كان السبب المباشر في حرمان الرأي العام من الاطلاع على صورة سلفه، أعني الصورة الواقعية في الغرف الموصدة.
تداعت هذه المواقف الى ذاكرتي، عند مطالعتي لكتاب “الاسد بين الرحيل والتدمير الممنهج” للاعلامي المتميز سامي كليب، وكان من بين أهم ما تضمنه هذا الكتاب “المرجع″، محاضر لقاءات الرئيس بشار الأسد، ومن بينها مع وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول2003/05/03.
ما استوقفني في هذا المحضر الذي نشر بنصه الحرفي، هوتركيز وزير خارجية الولايات المتحدة على المنظمات الارهابية وفق توصيفه في سوريا ولبنان، وتحديدا حزب الله ومنظمة الجهاد الاسلامي وحركة حماس، مع أن عنوان الزيارة ولقاء الرئيس كان محوره العلاقات الثنائية وقضية احتلال العراق الذي اعترضت عليه سوريا.
اللافت في المحضر أن حديث كولن باول عن العراق، كان فارغا وفضفاضا لا قيمة له، سوى اجترار ما كانت تسوقه بلده على الصعيد الاعلامي، يمكن للقارئ أن يقف بسهولة على حالة التغابي المزمنة التي تعيشها القيادة الأمريكية، منها مثلا لا حصرا، زعمه انطلاق قوة الاحتلال في إعادة إصلاح البنية التحتية التي قام صدام حسين بتدميرها خلال فترة حكمه، من شبكة طرقات وجسور ومستشفيات وغيرها وفق قوله حرفيا:” ونحن نعمل الآن بشكل بطيء على استعادة خدمات المياه والكهرباء، وطبعا الكثير منها لم يدمر من قبل القوات، لكنه دمر بسبب حكم صدام حسين السيء الذي استمر لمدة 25 سنة…”؛ في حين أن حتى أشد خصوم صدام حسين يشهدون وشاهدين على عكس ذلك؛ الحالة الثانية من صور التغابي المقزز وهويخاطب رئيس دولة، تعبيره عن قلق بلده الشديد من قطع عسكرية تمر من سوريا للعراق، وإخفاء مواد كيماوية وأخرى على ذات الدرجة من الخطر عراقية في سوريا بعد تهريبها، مبطنا تهديدا جديا بالمواجهة العسكرية، لكن حين أجاب الرئيس الأسد عن هذه النقطة بسخرية لافتة، ودحض من الناحية الموضوعية والعسكرية والعلمية تلكم المزاعم، سارع السيد كولن باول بالاقرار بأن جواب الرئيس مقنع. لا أعتقد بأن القارئ في حاجة لكشف الوجه الامريكي في الغرف المغلقة، ذلك أن لديه من تصريحات قادته العلنية، ما يغني عن الحاجة ويزيد.
المهم في تصوري الكشف عن الجانب السوري، فعهدنا بالقادة العرب مع الأسف، أنهم أمام الاعلام والبيانات (2003) أسودٌ، لكن في الغرف المغلقة وما يتسرب على قلته ليسوا أكثر من نعام، يدفن رأسه أمام تهديدات الغرب؛ حين يقف القارئ على ذكر كولن باول للعراق خمس مرات على أكثر ما أمكنني رصده، وفي المقابل يكرر مكاتب الجهاد وحماس بدمشق وحزب الله لأكثر من عشرين مرة، يلمس فارق القيمة ويكتشف الهدف من زيارة بول للرئيس الأسد.
أن يكرر وزير خارجية الولايات المتحدة في جلسة واحدة أكثر من 20مرة، في سياق طلب بطرد أصحابها وغلق مكاتبها، يرقى في بعض العبارات لصيغة الأمر، تارة تصريحا وأخرى تلميحا، وهوالقادم من بلد عربي مركزي على حدود سوريا قد تم احتلاله واختفاء رئيسه وتفكك جيشه وجميع مؤسساته. لكل هذا المشهد ما يمكن أن يشكل ضغطا جديا وواقعيا على رئيس شاب لم يمضي على توليه السلطة أكثر من ثلاث سنوات.
في هذا المحضر الذي لم يعد سريا ويمكن مراجعته بالتفصيل، لم ينل موضوع العراق وتداعياته على العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة، في عرض وزير خارجيتها أكثر من عشرين بالمائة (20%) من مجمل اللقاء وقتا وتداولا؛ أما أغلب الوقت والحوار فقد ركز على مكاتب حماس والجهاد الاسلامي ودعم حزب الله.
وإذا تأمل القارئ وعاد بالذاكرة لتاريخ اللقاء 2003، لا يجد أي علاقة بين ما استفاض كولن باول في مناقشته والتركيز عليه، وبين حالة الاحتلال للعراق، فما علاقة الجهاد الاسلامي بالعراق حينها؟
وما علاقة حزب الله أوحماس ؟ هذه المنظمات الثلاثة لم يكن لها يد لا في احتلال الكويت، ولا في مواجهة الولايات المتحدة بين 1990-2003 على أرض العراق؛ مع ذلك فقد ردد السيد كولن باول ذكرها بالاسم أكثر من عشرين مرة في وقت لا يتجاوز 30دقيقة.
ماذا كان رد الرئيس السوري على تهديدات كولن باول لحظتها في الجلسة المغلقة؟ اللافت في المحضر عند قراءته أن بشار الأسد كان هادئ الأعصاب، واللافت كذلك أن أجوبته على وزير خارجية الولايات المتحدة لم تكن فضفاضة ولا حماّلة أوجه، وإنما صريحة للغاية وبالغة الوضوح الى درجة الصدمة؛ لا أقول هذا تزكية وإنما إذا وضع القارئ نفسه تحت ظروف اللقاء، واستحضر من ذاكرته الأجواء الاقليمية والدولية بل وحتى الداخلية في سوريا (الحرس القديم من نظام الحكم الذي يتربص لقلب النظام)، والحال ان الجلسة مغلقة يمكن للرئيس الشاب أن يقول ما يشاء، ويتصرف وفق الاملاءات الامريكية خوفا من التهديدات الجدية، والماثلة أمامه في العراق، قلت حين يستحضر القارئ كل تلكم التفاصيل الضرورية، يمكن ساعتها أن يزن رد الرئيس بشار الأسد على كولن باول (صاحب الخلفية العسكرية) بقوله :” لا نستطيع طردهم (حماس والجهاد الاسلامي)، فباعتقادنا عندما تريد أن تُخرج شخصا، يجب أن تعيده الى وطنه، ونحن نريد اليوم قبل الغد أن يعودوا لفلسطين وهم يريدون ذلك، أما أن نطرد شخصا الى أي مكان في العالم فهذا كلام مرفوض”؛ في اللغة الدبلوماسية يمكنك أن تضع خطا أحمرا تحت “وطنه” و”نحن نريد ذلك” و”يعودوا الى فلسطين” وختامها مسك “فهذا كلام مرفوض”؛ من يعتقد أن هذا الموقف سهلا فهولا يعرف شيئا عن عالم السياسة وواقعها، ومن يتصور حضور رد الرئيس السوري بداهة اوكُتب له فهوواهم، وأكثر من ذلك من يعتقد بأن الرئيس لا يعي لحظتها، وقع هذا الرد على الادارة الامريكية واحتمالات رد فعلها فلا شك أنه لا يعرف الواقع. كان بامكان الرئيس السوري في هذه الجلسة المغلقة أن يهادن أويوادع أويراوغ، لكنه كان واضحا وصريحا وقويا في رده، الذي تقدمه من قبل أثناء الحوار قوله لكولن باول:” … ليس هدفي أن أربح داخل الطبقة السياسية الأمريكية وأخسر سوريا”.
قراءة محضر اللقاء بين موفد الرئيس الامريكي كما قدم نفسه، والذي قام باحتلال دولة جارة عربية بحجم العراق، خارج كل الأعراف والقوانين الدولية، ومن فوق غبار المعارك التي أسقطت بغداد، مع رئيس شاب حديث عهد بادارة بلد تحت وطأة تهديدات داخلية وخارجية، تنتهي بالضرورة من خلال موقفه الرافض بشكل قاطع طرد حماس والجهاد الاسلامي، بتصنيفه عدوا دعما للمنظمات الارهابية، التي بالاساس لا تهدد الولايات المتحدة ولا الاتحاد الاوروبي، وإنما تدافع عن شعبها وحقوقه المشروعة في فلسطين المحتلة بوجه “اسرائيل”، المتضرر الوحيد فعليا وواقعيا وميدانيا من هذه المظمات ليس سوى العدوالاسرائيلي، ومن أجله ولأجله فقط جاء كولن باول، وخصص في لقائه بالاسد أكثر من أربع أخماس الوقت لمكاتب الجهاد الاسلامي وحماس وحزب الله، وحرص جهده لاقناع الرئيس بضرورة اقفالها وطرد قياداتها، موظفا احتلال العراق كتهديد….. لكن اتضح من رد بشار الأسد حتى في الغرف المغلقة أنه داعم رئيسي لهذه المنظمات الارهابية، وأتضح لكل ذي عينين اليوم أن التهديد الامريكي كان جديا، نراه مجسدا منذ خمس سنوات.