الدولة الحقيقية مفهوم عملي ضروري للحفاظ على فرصة “التفكير والعمل” لتطوير الدولة كرافعة من روافع التقدم الإنساني، والتحرر من الشلل الناشئ عن المفاضلة بين الدولة الواقعية والدولة المثالية، كما حصل لحمار جان بوريدان (الذي مات وهو يبحث في أيهما يقوم به اولاً شرب الماء أم اكل الطعام). فمفهوم الدولة الحقيقية ضرورة لتحرير التفكير والعمل من سطوة (الأمر الواقع) ورفض الاستسلام للدولة الواقعية باعتبارها غاية ما يمكن تحقيقه، وأيضاً حماية التفكير من خطر الانفصال عن شروط الواقع، والوقوع في مصيدة الدولة المثالية التي لا يمكن تحقيقها لأنها تتطلب شروطاً استثنائية خارج سياق الواقع.
صحيح أن الدولة الحقيقية تعبير مستحدث للمساهمة في تطوير الحوار السياسي السائد في الأردن، ولكنه ليس منبتاً عن تاريخ الفكر السياسي الإنساني، وليس لمعة لغوية في حفلة ألعاب نارية. إذ يمكن تتبع الفكرة والمفهوم في سياق حوارات القرن التاسع عشر، واشتباك العمل الفكري مع نضالات المجتمعات لتحقيق تطور سريع وحاسم “للدولة الواقعية” التي كانت في حينها تعيق التطور والتقدم، فظهر مفهوم “دولة الحقيقة” في مواجهة “حقيقة الدولة” كمنظومة هيمنة في منتصف القرن التاسع عشر، لوصف ظاهرة سياسية مثل كمونة باريس، حيث تم بناء السلطة فيها على “قبول الأفراد الطوعي” للمرجعيات التنظيمية، وأصبحت “دولة الحقيقة” التي تسعى للارتقاء بالواقع دون الاستسلام له، مرجعاً نظرياً لعملية واعية ومنظمة لتطوير الواقع بمنهجية ثورية.
ولكن في السياق الأردني فإن مفهوم “الدولة الحقيقية” قُدم أولاً لإدارة وضبط عملية تطوير الدولة الواقعية دون التضحية بأي من مكتسباتها، وصولاً لأن تصبح دولتنا تعبير عن قيم وإرادة شعبنا وخادماً لمصالحه في ذات الوقت، وثانياً للمساعدة في بناء إطار مرجعي يساعد على المضي في عملية تطوير مستمرة وسريعة ومنظمة للدولة الواقعية ضمن سياق الواقع، ودون الخروج عليه كما هو حال السعي لبناء الدولة المثالية، وثالثاً حماية مشروع التغيير من خطر السقوط في الارتجال والفوضى، ومن خطر الإبقاء على الدولة الحالية التي صممت لتكون وسيلة استبداد، مما يزيد مخاطر أن تنتهي كل النضالات وجهود التغيير باستبدال مستبد فاسد بآخر.
وعليه فإن مواجهة الدولة الراهنة التي تمثل استمراراً للإدارة الاستعمارية التي فرضت إرادة غريبة نتعالى على أرادة الشعب وتلغيها، يتطلب مرجع نظري يمكن من اشتقاق الفعل السياسي في ظروف الواقع دون الاستسلام للدولة الواقعية ودون التورط بالسعي لبناء دولة شروطها خارج سياق الواقع الذي يمكن تطويره بفاعلية الشعب الأردني.
من هنا فإن الدولة الحقيقية، لا تتطلب تدمير الدولة الواقعية، كما أنها لا تتناقض ولا تنفي الحلم الإنساني بدولة اليوتوبيا، ولكنها إطار نظري لرسم طريق الارتقاء من الدولة الواقعية باتجاه اليوتوبيا، التي يعرفها المفكر المغربي عبد الله العروي بأنها عنوان وهدف عملية التطور السياسي الدائمة والمستمرة، ومآل أحلام التطور السياسي والثقافي في المجتمع، مبيناً في كتابه مفهوم الدولة، أن اليوتوبيا إذا استعملت كصيغة (لتأويل الواقع) وفرضها بالقوة (قهراً وزجراً) على المجتمع، تحولت إلى مجرد أيديولوجيا “تافهة” لتبرير الاستبداد وتأبيده.
وعودة لشرح وتوضيح تعبير الدولة الحقيقية الذي يشير إلى دولة “ممكنة في شروط الواقع” تعبر عن إرادة شعبها وقيمه وتخدم مصالحه في ذات الوقت. فالدولة الحقيقية ليست شكلاً نهائياً ومثالياً، بل “فرصة فاعلية” تضمن أن تكون السلطة أداة لإنفاذ إرادة الشعب وليس وسيلة لقهره وفرض إرادة غريبة عليه، وفكرتها مستوحاة من فكرة “الوطن-البيت”، الذي يجب أن يحقق منفعة ويقدم الإيواء، ولكنه يجب أن يحقق بعض المعايير الجمالية التي تليق بالبيت الإنساني. فالبيت ليس وكراً يعيش فيه الإنسان كما تعيش الضباع في اوكارها، كما أنه ليس مجرد ديكور فارغ من الفاعلية والمضمون، ولا بد أن يعبر البيت كما الدولة عن بعدين: البعد الجمالي (القيمي) لمن يعيش فيه، وأن يقدم له خدمة الإيواء في ذات الوقت.
المستفز في تعبير الدولة الحقيقية بالنسبة للنظام، هو أنه مفهوم عملي يساعد على بناء إطار مرجعي واضح يمكن من تحديد انحرافاته ورفضها، كما ويمكن من اشتقاق خيارات فعالة في ظروف وشروط الواقع، مما يجعل اتهام قوى الإصلاح والتغيير بأنها عبثية ومعزولة عن الواقع مقولة لا أساس موضوعي لها. فنحن نناضل لتحسين الحياة ضمن الشروط الواقعية للدولة الأردنية، ولسنا اسرى الأيديولوجيا التي تسحبنا خارج حقائق الزمن المعاصر، بل نريد من دولتنا أن تعبر عن قيمنا العليا وتخدم مصالحنا بطريقة معيارية، تساعد شعبنا على العيش بكرامة واستمرار تطوره وتقدمه ودون مساومة بين هذه الاولويات.
وحتى تكون الدولة “حقيقية” يجب أن تكون تجلياً لإنفاذ إرادة الشعب واداة لحماية استقلاله ومنع فرض إرادة تلغي إرادته، وهذا يتحقق بأن تكون كافة السلطات (وبلا استثناء) تتشكل على أساس “تفويض ظرفي” من الشعب لمن يمارسها، وهذا يعني انتخابات دورية بمواعيد محددة، ومنع الأكثرية الانتخابية من اضطهاد الأقلية، وتجريم أي تلاعب بالانتخابات ومساواته بالخيانة العظمى. وثانياً تطوير “الضمير المهني لمؤسسات الدولة” كمرجع لخياراتها وتقييم أدائها، ووسيلة لتحصين المؤسسات الوطنية من “الأوامر من فوق”، لضمان أن تكون في خدمة الشعب وليس وسيلة لقهره وإقصائه ونهب موارده.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن مفهوم الدولة الحقيقية يجعل الهدف هو خدمة مصالح الشعب والتعبير عن قيمه وإنفاذ إرادته ضمن شروط الواقع، وليس تقديس وتأبيد أي شكل للنظام في الدولة. مفهوم “الدولة الحقيقية” المقترح ليس ضمن التصور المثالي لدى هيغل الذي تبنى منظور “المطابقة للحقيقة” للتعبير عن تطابق “الدولة” مع مفهومها أو مثالها المطلق والنهائي، بل هو مرجع نظري لوصف سيرورة تطور دائمة ومستمرة لتطور الدولة. فحتى تكون الدولة حقيقية، ولا تتغرب عن شعبها، وحتى تبقى في خدمته وليس وسيلة لاستعباده ونهب موارده لا بد من توفر ثلاثة شروط: 1- لا سلطة دون تفويض شعبي ظرفي ومؤقت، 2- رفض وجود سلطة منفلتة من القواعد التي تضبط ممارستها (سيادة القانون)، 3- وضرورة ضبط مهمة السلطة المركزية بتمكين مؤسسات الدولة من العمل والالتزام بضميرها المهني، وليس اخضاعها لنزوات الملك وعائلته لتمكينهم من نهب الموارد.
أخيراً، إن عملية التقدم الإنساني عبر الثلاثة آلاف عام الأخيرة، اتكأت على استحداث تعابير ومفاهيم جديدة ضمن مثلث الفاعلية (1- فهم الواقع 2- تطوير الفعل الإنساني 3- العودة لتحسين فهم الواقع وإدامة العمل على تطويره وتحسين فهمه لمنع تغريب الإنسان عنه)، فلا يوجد فهم نهائي للواقع الإنساني، بل عملية ارتقاء مستمرة توجه الفعل الذي يشكل الواقع ويطور فهم الإنسان له في ذات الوقت، لذلك تم تطوير العديد من المنهجيات لتقييم صحة المفاهيم والتعابير الجديدة، ليس منها ورودها أو عدمه في الادبيات السابقة.