بدأت الإمبراطورية البريطانية العظمى مع نهايات القرن السابع عشر و مع بدايات اكتشاف النفط في الخليج و مع بوادر الضعف في السلطنة العثمانية بالتخطيط للسيطرة على المنطقة و تفكيكها حماية لاستمرار تدفق النفط و منعاً لتشكل كيان سياسي ممتد يهدد بإنها ء السيطرة على الممرات البرية ( طريق الحرير ) و الممرات البحرية في البحر الأبيض المتوسط و البحر الأحمر و الخليج و قد استفادت بريطانيا من دراساتها الموسوعية الاستشراقية في الوصول إلى إفضل نتيجة لها عبر تعويم الموروث الثقافي الإسلامي لتيار ضعيف أعاد تشكيله أحمد بن تيمية و أوجدت تحالف بين دعوة محمد بن عبد الوهاب و أسرة آل سعود على أن يتولى آل سعود الشأن السياسي و يتولى أسرة آل الشيخ شؤون الدعوة و فيه يتعهد هذا التحالف بالولاء و الطاعة حتى تقوم الساعة بما في ذلك إعطاء أرض فلسطين لليهود المساكين ( كان التعهد للمثل بريطانيا بيرسي كوكس ) و حصل هذا الأمر بعد استيلائهم على الجزيرة العربية بمساعدة بريطانيا مرة ثانية بعدما أنهى محمد علي باشا دولتهم الأولى
و استمرت هذه الطاعة لبريطانيا إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية و انتقال مركز النهب الدولي من لندن إلى نيويورك و واشنطن و استمر إلى هذه اللحظة
خططت قوى النهب الدولي طبيعة الحياة السياسية و الاقتصادية و الدينية لهذه المملكة كي تؤدي دورها الوظيفي على أكمل وجه بما يخدم سياسات الناهبين الدوليين و رسمت لهم خطين للحياة متوازيين على مستوى الداخل و الخارج
المستوى الأول : و هو المستوى الديني و الغاية منه مجموعة أهداف و أولها نشر نمط من الإسلام يتعارض كلياً مع العقل و المشاعر الإنسانية الطبيعية مما ينتج بشراً قابلين للتحكم بهم و استخدامهم عبر الفتاوى المدفوعة الأجر و الرشى بكل ما يخدم الناهبين
و ثاني الأهداف هو إحداث استقطاب سلبي ذو بعد طائفي مذهبي مما يؤدي لإدخال المجتمعات بصراعات دينية و مذهبية اعتماداً على ردود الأفعال من قبل المكونات الأُخرى و حتى بدون ردود أفعال
ثالث الأهداف و هو من خلال منع ظهور إسلام متنور متصالح مع المدنية و العلمانية و حقوق الإنسان و يمكن أن يلعب دوراً إيجاباً في الصياغة الأخلاقية للإنسان
كان لابد لهذه الأهداف أن تتحقق و قد نجحت إلى حد كبير بذلك من خلال سياسات اتبعتها في الداخل و الخارج فكانت حريصة في الداخل من خلال النظام التربوي الذي تأخذ الحصص الدينية العدوانية حصة الأسد و بنشر البطالة بين السعوديين و إفقار جزء كبير منهم عبر استقدام الأيدي العاملة و الخبرات العربية و الأجنبية من خلال كوتة تحددها المراكز الناهبة مما تدفع شريحة الشباب في الجزيرة العربية للتوجه إلى المساجد و غسل أدمغتهم بالمعتقدات الوهابية العدوانية التي لن تجد مسارب لتفجير عدوانيتها إلا من خلال اختراع مسارب جهادية محددة تخدم الناهب الدولي بالدرجة الأولى و الأسرة الخادمة له في المملكة بالدرجة الثانية و قد طبقت هذه السياسة في كل المناطق الإسلامية و مثالها باكستان و الأوضح منها في شمال لبنان حيث منعت حدوث أي تنمية حقيقية فيها لتبقى خزان بشري متجدد للجهاديين
المستوى الثاني : و هو نشر النمط الاقتصادي النيوليبرالي غير المنتج حقيقة و تبعيته لمركز النهب العالمي مع ما يستلزمه ذلك من أنماط حياة تتناقض كلياً مع المنظومة الدينية الوهابية و غير الوهابية و يتمظهر ذلك داخل المملكة بأنماط الحياة السرية للأسرة الحاكمة و المنظومات النيوليبرالية ضمن القصور و بعض المدن السعودية و هذا المستوى هو المطلب الحقيقي و الدور المطلوب من المملكة أن تلعبه من خلال نشر نفوذها في أنحاء العالم
هل تقبل المملكة و من ورائها الناهب الدولي بنشوء دول إسلامية بالمعنى التشريعي ؟
حدد الناهب الدولي وظيفة الإسلام السياسي الوهابي و الإخواني ضمن حدود ما تتطلبه المصالح النيوليبرالية بما يربط كل قوى الانتاج في العالم بالمركز الرئيسي في الولايات المتحدة و لذلك فإنه عمل ضمن المستويين بحيث يمنع تشكل قوى و دول مستقلة عن مركز القرار الدولي فتم دعم نشوء التيارات السلفية عبر المال السعودي و الخليجي في كل أنحاء العالم و بحكم قابليته للتحول لاستخدام العنف في الحالات التي تفكر بها هذه الدول بسلوك طريق الاستقلال العلمي و الاقتصادي و العسكري و هو هنا ليس سوى عصا غليظة يهدد بها المجتمعات و الدول الساعية للاستقلال و إذا لم ترتدع و تسمح للمنظومات النيوليبرالية بالتغول داخل هذه الدول فإن التنظيمات السلفية ستتحرك و تقض مضاجع هذه الدول مهددة إياها بالتفكيك من خلال ادعاء الحاكمية لله
أما إذا ما بقيت هذه الدول ضمن دورة الناهب الدولي فإن الإسلاميين سيبقون مسالمين دعويين لا تشوبهم شائبة و يتلقون كل أسباب الاستمرار بالحياة
في المحصلة فإن المملكة لن تسمح بنشوء دول إسلامية و خاصة في الدول ذات الثقل الديموغرافي و الجيوسياسي كي لا تهدد بفقدان وظيفتها و مهمة الإسلاميين هو حماية المشروع النيوليبرالي فقط و عائديته للمشروع الناهب و أوضح مثال لذلك هو نمط الحريرية السياسية و إسلاميي الشمال في لبنان و كما يحصل الآن في سورية من عنف أعمى تدميري حاقد و كما يحص في مصر بالمساكنة بين التيار السلفي المسالم بوجود المشروع النيوليبرالي
و تبقى مجموعة أسئلة تطرح نفسها اليوم من خلال نتائج الحرب في سورية و بداية انكسار حروب الناهب الدولي من خلال أدواته فهل انتهى الدور الوظيفي للمملكة و وهابيتها السياسية العنفية ؟
أم أن الغرب سيعيد تشكيلها ليعيد استخدامها بما يتناسب مع وظائف المرحلة القادمة و تغير المعادلات الدولية و الإقليمية ؟