الدكتور حسني المجذوب
طبيب العيون الذي كان يرى أحوالنا بعيون الناس
معن بشور
تعود معرفتي بالراحل الكبير الدكتور حسني المجذوب الى أواخر خمسينات القرن الماضي حين كنت طالباً ثانوياً لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وشاركت في حفل تعارف طلابي أقامه النادي الثقافي العربي الذي كان الدكتور حسني من القيمين عليه قبل ان يصبح رئيساً له.
في ذلك الحفل جرى تنظيم مباراة في الخطابة الارتجالية، وكان على المشارك في المباراة ان يسحب بالقرعة الموضوع الذي يجب ان يتحدث فيه، وكان من حسن حظي ان تكون كلمتي عن جمال عبد الناصر، وأن يكون من حسن حظي مرة أخرى أن أفوز بالجائزة الأولى، ومن حسن حظي ثالثاً أن يكون الدكتور حسني المجذوب هو من سلمني الجائزة وهي عبارة عن كتاب “مع القومية العربية” للراحلين محسن إبراهيم وحامد الجبوري وكانا يومها من الرعيل الأول في حركة القوميين العرب.
وتوطدت علاقتي بالدكتور حسني في السنوات التالية حين كنت أشارك مع عدد من رفاقي الطلبة في التحضير لمهرجان الربيع السنوي الذي كان “النادي الثقافي العربي” يقيمه في حديقة الصنائع في بيروت حيث يوفر ذلك المهرجان جزءاً من تمويل النادي يوم كانت الأندية، كما “دار الندوة” اليوم وبعض المؤسسات غير المرتهنة، تؤمّن مواردها من أنشطتها وتبرعات الأعضاء والأصدقاء.
وكنت التقي الدكتور حسني المجذوب ومعه ذلك الرعيل من أهل “النادي الثقافي العربي” وحركة القوميين العرب كمنير منيمنه، عمر فاضل، جوزف مغيزل، محمد قباني، فؤاد السنيورة، عصام عرقجي، جورج دلل، كل عام في “معرض الكتاب العربي والدولي” فيما بعد، حيث كانت بيروت تشهد في زمن المعرض حالة ثقافية مبهرة فيها أبرز ما صدر من كتب في لبنان وعلى أمتداد الوطن العربي..
وحين كان الدكتور المجذوب مستشاراً للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان مثله ابن صيدا، ورفيقاً له في حركة القوميين العرب، وكنت ألاحظ مدى حرصه على خدمة كل محتاج، مريضاً كان أم طالباً لمنحة دراسية، أم راغباً في عمل، فكان بين معاوني الرئيس الشهيد الأكثر التصاقاً وحميمية بالناس، بل الأكثر حرصاً على سمعة الرئيس الشهيد السياسية والوطنية وعلاقاته بكافة القوى الفاعلة في البلاد.
صحيح أن حسني المجذوب قد غاب عن السمع، كما عن الفعاليات الثقافية المعروفة خلال السنوات الأخيرة، لكن ذكراه لم تغب عن الكثير من المجالس التي تتحدث عن دور وجوه الوطن القومية والثقافية والإنسانية، بل عمن أعطى لشعبه دون منّة أو حساب أو مطمح شخصي.
رحم الله الدكتور حسني، طبيب العيون الذي كان يرى أحوال البلاد بعيون الناس وأحاسيسهم.
همنا الوطن، وسيبقى همنا الوطن، أما همومنا الشخصية، فهي سليلة همومنا الوطنية.
30/1/2025