الحنين الى الاوطان
د. زياد العاني
يعرف معظم الروائيين و علماء النفس بأن
الحنين هو مزيج من الشوق والرغبة الجامحة في العودة الى المكان الاول و التخوف من العودة اليه و الشعور بعذاب متواصل بالبقاء بعيدا عنه.
في كتابها ” بلدي المخترع” الذي صدر عام 2003 تروي فيه الكاتبة التشيلية أيزابل ألليندي قصة أضطرارها الى الهرب و الرحيل من بلدها بعد الانقلاب الدموي القذر الذي دبرته المخابرات الامريكية ضد حكم الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور الليندي في 11 أيلول 1973، تعرف الحنين الى الوطن فتقول ” هو ألم أن يرى المرء نفسه غائبا عن وطنه، هو الحزن الذي تثيره سعادة مفقودة هو تمرين متواصل عن الاشتياق و الشعور المتواصل بأنك غريب في بلد أضطررت أن تقبل به لانه لاخيار آخر أمامك”.
طالت غربة الليندي في فنزويلا و لاحقا في امريكا( كاليفورنيا) و تزوجت وبنت عائلتها هناك و لكنها لم تستطع التأقلم مع حياتها فتقول في كتابها ” في ذلك الثلاثاء البعيد من العام 1973 انفطرت حياتي.
وبعد زوال الحكم الديكتاتوري قامت ألليندي بالعودة في زيارات متقطعة الى تشيلي فتصف بلدها بعد هذه الزيارات بالقول” ما من شيء عاد ليكون كما كان من قبل” ولكنها بقت في منفاها تنسج في خيالها جمال بلدها و الحياة فيه كما تركته فتسميه ” الوطن المخترع”.
و في مكان آخر تقول ” هكذا هو المنفى، يقذف بالناس مع الرياح الأربع ويصبح من الصعب بعد ذلك لمّ شمل المتفرقين”.
و في مكان آخر ” نعتقدُ أنَّ السِّنين تُبعِدُنا عن الشّيء ثُم نتفاجأ بأنّنا كُنا في رحلةٍ طويلة للعودةِ إليه”.
و في فصل آخر تقول “أن من يريد أن يعرف تشيلي عليه أن يقرأ بابلو نيرودا الشاعر الذي خلد بأشعاره المناظر الشامخة و النكهات و الاسحار و المطر العنيد و الفقر الكريم.
هذا هو بلد حنيني الذي أستعرضه في حالات و حشتي و يظهر كخلفية في الكثير من قصصي و يتجلى لي في أحلامي”
و يمكن تشبيه الحالة عراقيا (مع فارق بالتفاصيل) بشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري فالحنين في شعر الجواهري يعبر عن هذا الشوق و الرغبة في العودة اليه رغم أنه عاش في أجمل البلدان في سنوات منافيه الطويلة (أيران تشيكوسلوفاكيا و سورياو لبنان )و له عشرات القصائد من بينها قصيدته الخالدة ” يا دجلة الخير”.
الأبيات الثلاثة التالية من قصيدة بين “قطرين” كتبها سنة 1924 في منفاه في ايران تعبر عن قوة مشاعر الحنين و الشوق الى الاوطان مهما كانت قساوة طبيعتها.
فَمَـنْ شَاقَـهُ بَـرْدُ النّعيـمِ بِفَــارسِ فـإنّي إلَـي حـَـرِّ الْعَـراقيـنَ ميّـالُ
أُحبُّ حَصَاهـا وَهْـوَ جَمـرٌ مُؤجَّـجٌ
وَ أهْوَي ثَرَاها وَإِن كان شوكا و أدغـالُ
أحن الى أرض العراق ويعتلي
فؤادي خفوق مثلما يخفق الآل
في أواخر سنوات عمره وفي بداية
التسعينات حضرت جلسة له في احدى مقاهي براغ وسمعته يقول “ليس لي أمنية قبل الموت سوى ان اعود الى العراق و أدفن فيه ” أمنية لم تتحقق.
في احدى مقابلاته سألته مقدمة البرنامج لماذا تلفظ العراق بوضع الضمة على العين وهو يلفظ بكسر العين فأجاب ” يعز علي كسر عين العراق فعين العراق لن تكسر أبدا”.
الفرق بين الجواهري و الليندي هو أنه أعتبر المنفى بلده المخترع في حين أعتبرت الليندي بلدها الاصلي هو بلدها المخترع.
نحن الذين أخترنا المنافي بلدانا بديلة نعيش حلم وطن ننسجه في خيالنا و نستمتع في ربوع ذلك الوطن المخترع كما نسجت جماله ايزابيل الليندي ونحلم بان تبقى عين العراق مرفوعة كما ارادها الجواهري.
نحن الذين أخترنا المنافي بلدانا بديلة نعيش حلم وطن ننسجه في خيالنا و نستمتع في ربوع ذلك الوطن المخترع كما نسجت جماله ايزابيل الليندي ونحلم بان تبقى عين العراق مرفوعة كما ارادها الجواهري.

