لا يلام البحر على غرق السفن، ولا يتحمل مسؤولية عجز البحارة عن إيصال السفن إلى شواطئ الأمان. كما أن الشعوب لا تلام عندما تقصر الحركات الثورية في مهمة تعبئتها وحشد طاقاتها. وعلى رأس قائمة أولويات الحركة الثورية، فهم متطلبات حشد الطاقات الشعبية في مسارات التغيير. وهذا يتطلب فكرة مركزية (وليس تنظيم مركزي)، لتعزيز التوافق الوطني وتوحيد مكونات الحركة الثورية. فليس من الضرورة أن تتوحد المكونات الوطنية بتنظيم مركزي لتوحيد الحركة الثورية وتمكينها من تعبئة وحشد الطاقات الشعبية. وحدة الفكرة الثورية تجعل تعدد الجماعات والتنظيمات الثورية (مع ضمان التنسيق بينها) مصدر إثراء وتعزيز لفرص للتغير المنشود.
ولما كان من غير الممكن أن يتحقق الإصلاح بمبادرة تلقائية من المستبد الفاسد وعائلته، فلا بد من تعديل موازين القوى بتشكل حركة شعبية قادرة على انتزاع الإصلاح واسترداد الدولة سلطة وموارد. إلا أن تحول الشعب الأردني إلى فاعل إيجابي يستطيع فرض إرادته وفتح بوابات المستقبل، لن يتحقق بالأماني، ويتطلب جهود استثنائية، تتلخص في مثلث الفعل الثوري والتعبئة الشعبية، والذي يتكون من 1- تفسير الوضع القائم وتحديد المسؤول عن كل ما هو مرفوض فيه وقابل للتغيير، 2- تقديم صور المستقبل الممكن للشعب الأردني، 3- تحديد طريقة العمل للانتقال من الواقع الراهن إلى المستقبل.
كل مشروع ثوري ينطوي على الأركان الثلاثة، فهم خاص للواقع، وتصور للمستقبل (الواقع البديل)، وطريقة عمل. وعليه فإن أي فعل لا يرتقي لمستوى المشروع الثوري، ويخلو من أي من هذه الأركان الثلاثة، هو استجابة انفعالية، وفي أحسن حالاته رد فعل لا يحقق التراكم المنشود منه. وما يميز الحركة الثورية ويعلن وجودها هو قدرتها على تقديم إجابات على سؤالين مركزيين: لماذا الخيار الثوري، (الواقع المرفوض والمستقبل المنشود)، وما هي الوسائل وطرق العمل التي توحد الأنشطة الثورية وتمكنها من تحقيق التراكم وتعديل موازين القوى، فالشعوب تحتاج لمن يقدم لها إجابة على سؤال (شو نعمل للانتقال من الواقع إلى المستقبل المنشود؟).
تفسير الوضع القائم وتحديد المسؤول عنه يقتضي وجود خطاب حاسم لا مجال فيه للتأويل. فالصراع يبدأ من تصادم تفسيرات الواقع (تفسير الحركة الثورية مقابل تفسيرات المستبد الفاسد وعائلته)، فكل تفسير يستدعي فعل ويستدعي موقف وكذلك يثبط ويعيق فعلاً آخر. تفسيرات المستبد الفاسد تسعى لتحميل الشعب الأردني مسؤولية ما يجري. وعلى الحركة الثورية التمسك بالدفاع عن الشعب الأردني، وتوضيح أن المانع من تطوير الواقع هو المستبد الفاسد وعائلته. وأي محاولة لتفسير الواقع بعيداً عن المستبد الفاسد وعائلته، هي تفسيرات تتواطأ معهم وتتراوح ما بين التزوير والجهل والمهادنة وصولاً إلى حد خيانة الشعب الأردني.
والركن الثاني لتشكيل حركة شعبية متصاعدة هو تقديم صور المستقبل، عبر شعارات واضحة وغير قابلة للتأويل وللاختطاف من قبل المستبد الفاسد وعائلته، الذين احترفوا سرقة الشعارات وتشويهها، وتحويلها من شعارات إصلاحية إلى حشو لخطابهم المعد لخداع الناس. فقد شوهوا الدستور وتركزت السلطة بين يدي المستبد الفاسد وعائلته، مع تمسك خطابهم بمفردات إصلاحية، قاموا بتفريغها من مضمونها. وحتى تصبح صور المستقبل المنشود غير قابلة للتشويه والاختطاف، لا بد من تبني شعارات صدامية، وتعزيزها بخطط وبرامج قطاعية تربط الشعارات ببرنامج عمل واضح.
والركن الثالث يتلخص في تحديد طرائق العمل وتكريسها وتطويرها عبر التجربة. فلا يمكن توحيد حركة الجماهير وتفعيلها دون طريقة عمل مشتركة تحولهم من مجموع أفراد إلى قوة قادرة على الفعل وتحقيق المنجزات. طريقة العمل الواضحة والبسيطة والقابلة للتعميم من شأنها توحيد الجهود الشعبية وضمان تكاملها. ويجب تجنب دعوة الجماهير لأنماط العمل المستهلكة والتي ثبت عدم استجابة الجماهير لها، كما يجب التمييز بين الأنشطة التعبوية وبين اللحظات الحاسمة. فمن مهام الحركة الثورية أن تقدم للشعب الأردني إجابة واضحة على سؤال (ما العمل؟)، بمستوياته التعبوية الثلاثة (توضيح الخيارات، والمناورة، والحشد الحاسم)، لمنح الكتلة الحرجة من الشعب الأردني فرصة الانخراط بمشروع التغيير، بغض النظر عن مناطقهم وقطاعاتهم. مع ضرورة التأكيد على تنوع الفعل الثوري بالدرجة والنوع تبعاً لتطور الظروف.
أخيراً، لا توجد شعوب تقبل الظلم، كما أن الحركات الثورية ليست بديلاً عن شعوبها، ولكنها رافعة لتعبئة قوة الشعب وحشدها في مواجهة الاستبداد والفساد. فليس فالمطلوب وحدة التنظيم الثوري، وإنما توافق الأركان الثلاثة القادرة على تفعيل الجماهير وضمان وحدتها (1- تفسير الواقع 2-وتوصيف المستقبل 3- وطرق العمل للوصول إلى المستقبل المنشود). فمهما بلغ عدد التنظيمات الثورية وعديد منتسبيها، لن تستطيع كسب المعركة الحاسمة دون كتلة شعبية تتوحد من خلال تبني تفسير مشترك للواقع الأردني، وتوفر تصور مشترك للمستقبل البلاد، وتقديم طريقة عمل تمكن جميع مكونات الشعب الأردني من المشاركة بالعمل من أجل المستقبل المنشود.