الحرب الأوكرانية تدخل المنعطف الأخطر والأخير!
مصطفى السعيد
تواجه دول الإتحاد الأوروبي مأزقا خطيرا، كاد أن يدفعها إلى حرب مباشرة مع روسيا، عندما قررت منع السفن الروسية التجارية من الإبحار في بحر البلطيق، وحاولت مصادرة إحدى السفن الروسية بالقوة، واعترضتها سفن حربية وطائرات أوروبية، لترسل روسيا سربا من الطائرات، كاد يشتبك مع السفن والطائرات الأوروبية، التي حاولت اقتياد السفينة التجارية الروسية، واضطرت سفن وطائرات أوروبا إلى الإنسحاب خشية حدوث اشتباك كان وشيكا، يمكن أن يتسبب في اندلاع حرب مباشرة ومدمرة بين دول الإتحاد الأوروبي وروسيا .. فما الذي دفع أوروبا إلى هذه المخاطرة؟
لقد اطلقت دول اوروبية مبادرة لوقف القتال في أوكرانيا لمدة 30 يوما، ورفضت روسيا المبادرة، وقالت إن الهدنة المؤقتة ليست إلا مناورة هدفها استثمار الثلاثين يوما في إمداد أوكرانيا بمزيد من الدعم العسكري، بما سيؤجج الحرب، ولن تكون هدنة من أجل السلام، طالما لا توجد أي خطوط رئيسية لاتفاق سلام، يحقق الضمانات التي تطالب بها روسيا، وبالتالي لن تحقق الهدنة المرقتة أي خطوة باتجاه السلام، وإنما سيتلوها معارك أشد ضراوة بعد إمداد القوات الأوكرانية المرهقة والمتداعية بمزيد من الدعم العسكري، لتمكنها من مواصلة القتال، وأكدت روسيا أنها لن توقف القتال إلا في ظل اتفاق يقضي بموافقة أوكرانيا بعدم الإنضمام إلى حلف الناتو، وإقرارها بضم روسيا للمقاطعات الأربعة التي انضمت مؤخرا إلى روسيا بعد استفتاء شعبي، جعلها جزء من الأراضي الروسية، بالإضافة إلى حماية حقوق الأقلية الروسية في باقي المقاطعات الأوكرانية، وتقليص القوة العسكرية الأوكرانية، حظر الجماعات النازية المسلحة في أوكرانيا. وهذه الشروط لا تقبل بها أوكرانيا أو دول الإتحاد الأوروبي، وتعتبرها استسلاما لأوكرانيا ومن خلفها أوروبا، وبدأت دول الإتحاد الأوروبي الإستعداد للحرب مع روسيا، وقررت زيادة عدد وعتاد جيوشها، ورفع موازنات قواتها المسلحة، ورفع إنتاجية مجمعات صناعاتها الحربية، رغم ما تعانيه دول أوروبا من أزمات إقتصادية حادة، أدت إلى ارتفاع ديونها، وتراجع النمو إلى ما دون الصفر في العديد من الدول، وجاءت الضربة الكبرى بفوز ترامب الذي انسحب من تمويل الجهود العسكرية لأوكرانيا، بل مطالبتها بسداد قيمة ما حصلت عليه من دعم في ظل رئاسة جو بايدن وحزبه الديمقراطي، لتتحمل أوروبا وحدها أعباء حرب كان من الصعب أن تربحها في ظل الدعم الأمريكي، وليس بمقدورها أن تعوض تراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن مواصلة دعم عسكري مجاني، وصفه بأنه تبديد للثروة الأمريكية بلا طائل. ومما يزيد من المأزق الأوروبي أن القوات الروسية بدأت هجوم الصيف الذي أعدت له المزيد من القوات والأسلحة، وتحقق تقدما سريعا، امتد من إقليم الدونباس إلى أقاليم خاركيف وسومي، ومنذ يومين دخلت القوات الروسية إلى مقاطعة دنيبرو بتروفسك لأول مرة، بما يهدد بقطع الإمدادات عن القوات الأوكرانية المتواجدة في غرب إقليم دونسك وخاركيف وزاباروجيا، لتضع القوات الأوكرانية في موقف خطير، يعرضها لهزيمة ثقيلة، لا يمكن للقيادة الأوكرانية أو الأوروبية تحملها، لهذا اضطرت إلى التصعيد، وطرحت إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا، تحت إسم قوات حفظ السلام، لكن روسيا أعلنت أن إرسال تلك القوات سيكون من شأنه توسيع الحرب، والمواجهة المباشرة والشاملة، ونشرت المزيد من القوات والأسلحة، خاصة الصواريخ قرب الحدود مع أوروبا، لتضع دول الإتحاد الأوروبي أمام خيارين، إما ترك أوكرانيا تواجه مصيرا صعبا مع استمرار القتال، وتقدم سريع للقوات الروسية، يمكن أن يؤدي إلى سيطرة روسيا على مقاطعات إضافية، مثل خاركيف وأوديسا، أو خوض حرب مباشرة مع روسيا ستكون أشد ضراوة، ووتفتح احتمالات اندلاع حرب نووية. إن الرهان على قبول روسيا بهدنة مؤقتة قد تبدد، وتأكدت أوروبا والولايات المتحدة أن روسيا عازمة على مواصلة القتال حتى تحقيق كل شروطها لوقف الحرب، وليس أمام حلف الناتو إلأ إقناع أوكرانيا بالخضوع للشروط الروسية، أو أن تواصل حرب ستخسر فيها المزيد من الأراضي، ورغم أن القبول بالشروط الروسية حاليا، سيكون أفضل من الخسارة المتوقعة، إلا أن التعالي الأوروبي يحول دون اتفاق على أساس موازين القوى والأمر الواقع، الذي يعترف بالهزيمة أمام روسيا، وما سيتبعه من تفاقم مخاطر حرب عالمية، أو على الأقل تحمل أوروبا مزيد من الخسائر، تعرضها إلى لأزمات إقتصادية أعمق، واضطرابات سياسية ستغير وجه أوروبا، وتزيد من قوة أحزاب اليمين القومي، وتسقط أوروبا في دوامات من الإضطرابات هي الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية، قد تعصف بها ما لم تستيقظ من أحلام أمجادها الإستعمارية الغابرة، التي لم يعد بالإمكان استعادتها.
(مقالي في الأهرام)
2025-05-26