الجولان السوري المحتل إنموذج الصمود الأسطوري وإيقونة الانتصار في معركة الهوية!
الدكتورة حسناء نصر الحسين* لم تستطع سنوات الاحتلال الاسرائيلي الطويلة للجولان السوري أن تبدد مخاوف هذا الكيان من عودة الجولان إلى كنف الدولة السورية، أمام هذه المخاوف سعى قادة الكيان المدعومون من حركة الصهيونية العالمية لتبديد هذه المخاوف من خلال توسيع قدرات الكيان العسكرية والتكنولوجية والتقنية لتصبح قوة متفوقة على كل محيطها الجغرافي، إلا أن هذه القدرات لم تحقق الأمن لهذا العدو، بل بقي قلقلاً من عودة الأراضي المحتلة من قبله لأصحابها، ومن ضمن هذه الاراضي الجولان السوري المحتل. عاش الكيان الصهيوني خلال هذه المدة قلِقاً ومربكاً أمام مساعي الدولة السورية التي لم تدخر جهداً لإعادة هذه الارض المسلوبة من قبله، فكانت تدعم أبناءها الصامدين طيلة فترة هذا الاحتلال، كما كانت وما زالت تقدم الدعم لكل حركات المقاومة المناهضة لهذا المحتل. أمام هذه الجهود الجبارة التي بذلتها القيادة السورية خاصة في المحافل الدولية، استطاعت الحفاظ على حقها المشروع باستعادته وأن تنتزع قرارات من مجلس الأمن والذي أقر بأن الجولان أرض سورية، وأمام هذا المشهد استمرت اسرائيل بالضغط عبر اللوبي الصهيوني الموجود داخل مؤسسات الادارة الامريكية للحصول على قرار شرعنة ضم الجولان السوري لمستوطناتها، وبقي هذا المطلب يُقابل بالرفض تارة وأخرى بالتريث من قبل الادارات الامريكية المتعاقبة، لأنه مطلب غير شرعي ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الانساني وفيه خرق لكل القوانين الصادرة عن الشرعية الدولية، إلى أن وصل الرئيس ترامب للبيت الابيض حينها سارع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مستغلاً الحرب الدائرة في سورية والذي كان لكيانه الدور الأكبر في افتعال وإدارة هذه الحرب، مكرراً المطلب نفسه بضم الجولان الى كيانه، ليحصل على هذا المطلب في العام 2019 عبر قرار أمريكي أحادي وغير شرعي من قبل إدارة ترامب. سعت اسرائيل بدورها الكبير في العدوان على سورية لتحقيق أهداف عدة أهمها تشجيع دول اقليمية منخرطة في العدوان على سورية ومنها تركيا وجهات داخل سورية معروفة بالنزعة الانفصالية متمثلة بقسد والمدعومة أمريكياً إلى تقسيم سورية، لتحصل اسرائيل عبر هذا التقاسم الاقليمي على الجولان السوري المحتل، وكان هدف اسرائيل من وراء هذا الانخراط العدائي وهذا التشجيع والدعم للدول المنخرطة في العدوان على سورية أن تحقق ما فشلت في تحقيقه عبر عقود ماضية وهو القفز فوق قرارات الشرعية الدولية المؤكدة على حق سورية في استعادة الجولان السوري المحتل وعلى سيادة الدولة السورية عليه، إلا أن الفشل كان العنوان الأكبر لهذه المشروع بسبب الانجازات العظيمة التي حققها الجيش العربي السوري وحلفائه ليصبح التأكيد على وحدة وسلامة الاراضي السورية هو العنوان الأبرز لكل الاجتماعات والمؤتمرات الدولية المنعقدة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، لتكون القيادة السورية قد سجلت انتصاراً آخر لقضيتها المركزية المتمثلة بتحرير أراضيها المحتلة، وليأتي هذا النصر ضربة موجعة لحلم اسرائيل بتقسيم سورية وتحويلها إلى دولة فاشلة وغير قادرة على استرجاع الجولان المحتل، وبالمحصلة فإن فشل اسرائيل ومحورها في تقسيم سورية أدى بها إلى فشل مشروعها الكبير الخاص بالجولان السوري، لتستعيض هذا الفشل بقرار امريكي غير مشرعن دولياً بضم الجولان للكيان الاسرائيلي . عاملين أساسيين تلاقا خلال المرحلة السابقة هما انتصارات الدولة السورية وفشل الكيان الاسرائيلي في تنفيذ ما كان خطط له بالنسبة للجولان السوري، شكلا هذان العاملان وقود المقاومة والصمود لأبناء الجولان، والذين تعرضوا لهجمات عدائية كبيرة من قبل الكيان الاسرائيلي بدءاً بمساعي طمس الهوية السورية مروراً بمسعى ادماجهم وانخراطهم ضمن الكيان الصهيوني وصولاً لعسكرة هذه المنطقة وتحويل الكيان الاسرائيلي للجولان الى محمية عسكرية وبناء مئات المستوطنات واستجلاب اكثر من خمسة وعشرين مستوطن صهيوني، كل هذا لم يؤثر في هوية أهالي الجولان السوري وفي صمودهم وقدرتهم في الحفاظ على سوريتهم وثابتهم في مواجهة هذا المحتل الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها في سبيل تليين أبناء الجولان تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، إلا أن أبناء الجولان السوري سطروا ملحمية في الصمود والمواجهة لهذا المحتل . الحالة التي سجلها أبناء الجولان السوري في صمودهم وثباتهم على سوريتهم تمايزت كثيراً عن العديد من الحالات العربية الاخرى والتي تخضع للاحتلال الصهيوني، فأبناء الجولان السوري أوصلو المحتل الصهيوني الى حالة من اليأس تجاه إحداث أي خرق في جدار صمودهم، ومن أبرز العوامل الاسثنائية لدى أبناء الجولان هو المدى الذي وصلوا إليه في تمسكهم بالهوية الوطنية السورية، هذا بجانب الأرضية الصلبة من الاخلاقيات التي تربوا عليها والتي صنعت منهم قوة لا تلين أمام وسائل الإضعاف والتهوين والانبطاح . لتبقى وحدة سورية وسلامة أراضيها العنوان الأكبر لدى الدولة السورية وأهالي الجولان السوري المحتل، وهذا ما أكد عليه القائد بشار الأسد في عدة لقاءات له مع وجهاء وأبناء الجولان السوري المحتل، والذين أكدوا على تمسكهم بسورية أرضاً وهوية وإنتماء ووطنية، ليدرك الجميع بأنه باتت سورية في مرحلة أشد عزيمة وأصراراً على عودة الجولان السوري المحتل بقيادة الرئيس بشار الأسد وبهمة أبناءه السوريين وعزيمة وبسالة الجيش العربي السوري . باحثة في العلاقات الدولية – دمشق