الجنرال برهان وصلاة الاستخارة المضحكة!
سعد الفاعور*
بعيدا عن صلاة الاستخارة المضحكة، التي تحدث عنها رئيس مجلس السيادة السوداني، الجنرال عبدالفتاح برهان، لتبرير لقائه بالمجرم الصهيوني، رئيس وزراء كيان العدو، بنيامين نتانياهو، فإن المسلمات تؤكد أن اللقاء آثم، وإن لم يندرج في إطار الخيانة، بسبب حساسية التوقيت والحديث عن صفقة القرن، فهو يندرج في إطار الانبطاح والاستسلام، ومن العار على جنرال يرتدي بزة عسكرية، ويحمل رتبة “فيلد ميرشال” أن يستسلم قبل أن يضع رصاصة في رأسه.
هذا على صعيد موقف عسكر وجنرالات السودان، الذين لطخوا تاريخا مشرفا للشعب العربي السوداني الأصيل، الذي لم يبخل بشيء من أجل قضية العرب والمسلمين الأولى، فلسطين المحتلة والقدس الشريف المحتل، ما وضع السودان شعبا وأرضا وقيادة سياسية، على رأس قائمة الدول المغضوب عليها أميركيا.
وفي السياق، فإن إرث الكرامة والعروبة لدى الأشقاء السودانيين، رغم محاولات التركيع والابتزاز، وحرف بوصلة السودانيين عن عروبتهم وإسلامهم، من خلال توريطهم بحروب عبثية في اليمن وليبيا وحصار مشيخة قطر، أو عبر توريطهم بلقاءات سرية مشبوهة مع رئيس وزراء العدو الصهيوني، لا يجب أن تغفل حقيقة أن الشعب السوداني خرج عن بكرة أبيه، أحزابا ومنظمات نقابية، وحتى (حكومة تسيير الأعمال) مجلس الحكم الانتقالي، وتبرأوا جميعا من لقاء “برهان-نتانياهو” الآثم.
إذا، ما دوافع اللقاء، ولماذا لعبت الإمارات دور عراب اللقاء؟
الإجابة، تستدعي أن نتذكر أن السودان في حقبة ما من حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير، انحاز لقضية العرب القومية الأولى (فلسطين) المحتلة، فتقارب بشكل وطيد الصلة مع محور المقاومة (حماس، حزب الله، إيران، وسورية) فلعب دورا محوريا في دعم المقاومة المسلحة في غزة، وسهل تمرير شحنات الأسلحة من إيران إلى القطاع المحاصر، سواء عبر البحر أو عبر البر عن طريق صحراء سيناء وصولا إلى غزة.
السودان بفضل هذا الدور، حظي بسخط أميركي وإسرائيلي كبير وباهظ الكلفة، فتعرض للحصار والخنق الاقتصادي، وتدخل الموساد الصهيوني والمخابرات المركزية الأميركية في الصراع السوداني الداخلي، فتم دعم جيش جون قرنق الانفصالي ومن بعده سيلفا كير على مدى عقدين ونصف، في مسعاهما الانفصالي، والعرب يتفرجون، وكأن تقسيم السودان لا يعنيهم!
الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تدخلت إدارة البيت الأبيض عسكريا ضد السودان، في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وخرقت مواثيق الأمم المتحدة وشنت هجوما صاروخيا مدمرا، أطاح بسلسلة مراكز أبحاث التصنيع العسكري السودانية التي تمولها إيران، وكذلك قصفت مصانع الأدوية ومراكز ومنشآت التصنيع المدني، والعرب أيضا يتفرجون!
حالة عدم الاكتراث العربي، لم تقف عند هذا الحد، بل إن أنظمة عربية سابقة وحالية، غضبت من أجل الغضب الأميركي، وشاركت في حصار السودان وتضييق الخناق عليه، فعمد نظام الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك إلى اختلاق حالة من التوتر مع السودان أدت إلى تجميد وغلق قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي وحصرها فقط بالقنوات الأمنية (المخابرات المصرية-المخابرات السودانية)، مع استضافة نظام مبارك لطيف واسع من المعارضة السودانية ضد البشير!
في عين الوقت، كان النظام السوداني يئن تحت وطأة مخاض عسير في مواجهة ضغوطات لا تحتمل من قبل النظام السعودي، تروم في مجملها، كما الحال مع نظام مبارك، إلى إجبار نظام البشير على التخلي عن دعم حماس والمقاومة في غزة، وفك عرى التحالف مع طهران وحزب الله وسورية، إلى أن بلغ الأمر بالسلطات السعودية منع طائرة الرئاسة السودانية التي كانت تقل الرئيس البشير من استخدام الأجواء السعودية بحجة تنفيذ قرار محكمة الجنايات الدولية التي وجهت إلى البشير تهم ارتكاب جرائم حرب ضد انفصاليي جنوب السودان!
حقيقة، لا نعرف في حال قرر أهل حلايب أو أهل سيناء الانفصال عن مصر. أو قرر أهل نجران أو جيزان الانفصال عن السعودية، فهل سيقف النظامان المصريان والسعوديان موقف المتفرج، أم سيدافعان وبالقوة العسكرية عن وحدة ترابهما؟
هكذا إذا، غضب العرب من السودان لأجل غضب أميركا، واسهموا عبر عقدين ونصف في اضعاف السودان والتخلي عنه، لا لشيء، إلا لأنه اختار دعم المقاومة الفلسطينية في غزة ضد الاحتلال الصهيوني، فاصبح السودان مكروها مثل حزب الله ومثل سورية ومثل إيران ومثل كوريا الشمالية، فهذه الدول لا تسبح بحمد أميركا، ولا تدين بفروض الولاء والطاعة لرب البيت الأبيض، الذي يجلب عند قدميه من يشاء من حكام النظام العربي ليجعلهم تسلية وأضحوكة للإعلام والشعوب المقهورة وهم يشاهدن كيف يتم ابتزازهم وإذلالهم أمام الملأ!
ما سبق، لا يعني تبرير لقاء “برهان-نتانياهو” الآثم. لكنه محاولة لإلقاء بعض الضوء على دور بعض الأنظمة العربية في قتل وسحل كل سجايا وخصال المروءة ومعاداة الصهيونية أينما برزت. وهو ما يقودنا للحديث عن دور الإمارات في تنسيق اللقاء الآثم بالتنسيق مع القاهرة والرياض!
أي وصفة سحرية اجترحها أبناء المرحوم الشيخ زايد على البرهان؟! هل هذا كل ما تبقى في جعبة النظام الإماراتي لرفع اسم السودان من قائمة العقوبات الأميركية؟
لماذا بدل أن تلعب الإمارات دور “سمسار” الصلح “السوداني-الإسرائيلي” لا نرى تدفقا لمليارات الدولارات الإماراتية إلى السودان لإقامة مشاريع تنموية في مجال المياه والزراعة والثروة الحيوانية بأيدي عاملة سودانية وبرأسمال إماراتي، بدلا من هدر ثروات الإمارات في حروب ليبيا واليمن وجر الشباب السوداني إلى مستنقع حروب إخوة الدم، كما لو أنهم مرتزقة؟!
البيانات الخاصة بمالية الحكومة الإماراتية الاتحادية، بحسب تقرير اتحاد الغرف التجارية العربية، يظهر ارتفاعا بقيمة الفائض خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2019 إلى 66.32 مليار درهم (8 مليار و56 مليون دولار) بزيادة قدرها 0.04 في المئة مقارنة مع 66 مليار درهم في الفترة ذاتها من عام 2018!
ألم يكن من الأجدر بالقيادة السياسية الإماراتية لو انها اتخذت قرارا باستثمار هذا الفائض الوفير 8 مليار و56 مليون دولار في مشاريع تنموية وزراعية وحيوانية ومائية وطبية ودوائية وصناعية وشحن بحري وبري ونقل جوي وتشغيل ملايين السودانيين داخل السودان بدل الزج بهم في حروب اليمن وليبيا العبثية؟!
أليس الأجدر بالسعودية أيضا أن تفعل الشيء ذاته، بدلا من هدر ثرواتها في قتل أطفال اليمن وترميل النساء؟
لماذا نرى أمير قطر يفاخر أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن مشيخة قطر تساهم بضخ 180 مليار دولار سنويا في الاقتصاد الأميركي لخلق نصف مليون فرصة وظيفية جديدة داخل أميركا لمواجهة البطالة، بينما لا نرى 1% من هذا المبلغ القطري يذهب إلى السودان؟!
إن لقاء “البرهان-نتانياهو” آثم وكخطيئة إخوة يوسف. كما أن استخارته تقع في حكم استغفار النبي (ص) للمنافقين، وقوله تعالى: “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” – الآية 6، سورة المنافقون. فهي استخارة باطلة كما استغفار النبي للمنافقين لا يرجى منه فائدة.
لكن السؤال الأكبر من لقاء “البرهان-نتانياهو” لماذا أضعف إخوة السودان أخوهم، كما أضعفوا من قبل أختهم فلسطين وأخوهم العراق، وكما أضعفوا لاحقا اليمن وسورية. وإلى متى تظل بوصلة الغضب العربي مرتبطة ببوصلة الغضب الأميركي. فلا يغضبون إلا ممن تغضب منه أميركا، ولا يرضون إلا ممن ترضى عنه أميركا؟
* ، كاتب وصحفي وباحث في القضايا السياسية والدينية – من الأردن.
2020-02-09