التواطؤ: الغرب يبارك اختطاف مادورو
أظهرت المواقف الغربية من اختطاف الرئيس مادورو مصادقة سياسية على انتهاك “القانون الدولي”، لتعكس انخراط هذه العواصم التاريخي في الحصار الاقتصادي لفنزويلا، ودورها الوظيفي المستمر كأطراف للإمبراطورية الأمريكية
سعيد محمد*
في الساعات الأولى من صباح الثالث من يناير 2026، وبينما كانت القوات الأمريكية الخاصة تنفذ عملية إنزال جوي في كاراكاس لاختطاف رئيس دولة ذات سيادة، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما قسراً إلى نيويورك، كانت ردود الفعل في العواصم الغربية (الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، وكندا) تتشكل في قالبها المألوف. لم تكن تلك الردود تعبيراً عن صدمة تجاه انتهاك فاضح لجثة “القانون الدولي” بقدر ما جاءت بمثابة مصادقة سياسية على عملية قرصنة دولية، كاشفة عن دور هذه الأنظمة التاريخي كأدوات وظيفية للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، ومتممة لسنوات من المشاركة الفعلية في خنق الاقتصاد الفنزويلي.
من بروكسيل لم تتأخر كايا كالاس، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في بلورة موقف رسمي للتجمع الذي يضم 27 دولة بدا وكأنه صِيغ في واشنطن. فبدلاً من إدانة الهجوم العسكري المباشر على قصر ميرافلورس، اكتفت بدعوة باهتة لـ “ضبط النفس”، وقالت “لقد ذكر الاتحاد الأوروبي مراراً أن السيد مادورو يفتقر إلى الشرعية”، مؤكدة في تصريح عاجل لها أنها تواصلت بالفعل مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وأن أولوية المفوضية ضمان سلامة الرعايا الأوروبيين في فنزويلا.
موقف الاتحاد الأوروبي لم يكن خارج السياق التاريخي الذي مهد لهذه اللحظة طوال سنوات. فمنذ عام 2019، لعبت بروكسيل دوراً محورياً في عزل فنزويلا سياسياً، حيث اعترفت أهم الدول الأعضاء ب “خوان غوايدو” – صنيعة الرئيس الأمريكي ترامب خلال ولايته الأولى – رئيساً مؤقتاً لفنزويلا في سابقة دبلوماسية، وفرضت سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت قطاع النفط والتعاملات المالية، ما ساهم في انكماش الاقتصاد الفنزويلي بنسبة تجاوزت 75% بين عامي 2014 و2021، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي.
وفي برلين، تلعثم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بينما كان يحاول الالتفاف على التوصيف القانوني لحادثة الاختطاف، وقال إن التقييم القانوني للعملية الأمريكية “معقد” ويحتاج إلى “وقت”، لكنه اعتبر بأن “مادورو قاد بلاده إلى الخراب”، متجاهلاً أن برلين كانت شريكاً في هندسة هذا الخراب عبر الالتزام الحرفي بنظام العقوبات الأمريكي الذي منع فنزويلا من استيراد قطع الغيار اللازمة لصناعتها النفطية أو الأدوية الضرورية لشعبها.
في باريس، ورغم صدور تصريح أولي من وزير الخارجية جان نويل بارو يدين “انتهاك مبدأ عدم اللجوء للقوة الذي يقوم عليه القانون الدولي”، وأن “فرنسا تذكر دائماً بأنه لا يمكن فرض حل سياسي دائم من الخارج وأن الشعوب ذات السيادة وحدها هي من تقرر مستقبلها”، إلا أن الرئيس إيمانويل ماكرون سارع إلى تصويب البوصلة وفق الهوى الأمريكي، مغرداً بأن الشعب الفنزويلي “لا يسعه إلا أن يبتهج”. هذا التناقض الفرنسي عكس الصراع بين بقايا الدبلوماسية الديغولية المستقلة وبين الواقع الفعلي لفرنسا كدولة تابعة استراتيجياً للقرارات الصادرة من البيت الأبيض، خاصة مع صعود تيارات سياسية داخلية مثل حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا الذي انتقد العملية واصفاً إياها ب”انتهاك لسيادة دولة مستقلة” داعياً إلى “إعادة تسليح فرنسا لتعزيز قدراتها الصناعية والعسكرية”، من أجل “جعل صوتها المستقل مسموعاً على الساحة الدولية”.
من لندن، كان رئيس الوزراء كير ستارمر أكثر وضوحاً في التعبير عن عداء بريطانيا التاريخي للثورة البوليفارية، مصرحاً بأن حكومته “لن تذرف الدموع” على مادورو، لكنه حرص – لإرضاء قواعد حزبه العمالية التي تميل إلى اليسار – على الزعم بأنه يريد “التحدث مع الرئيس ترامب” أولاً لـ “تحديد الحقائق”.
وبالطبع لم يشر ستارمر إلى الدور المالي والقانوني المباشر للمملكة المتحدة في حصار الدولة الفنزويلية وتجويع الفنزويليين. وتحتجز بريطانيا في أقبية “بنك إنجلترا” المركزي حوالي 31 طناً من الذهب الفنزويلي، تقدر قيمتها بأكثر من 2 مليار دولار أمريكي. وقد خاضت حكومة مادورو معارك قانونية طويلة في المحاكم البريطانية لاستعادة هذا الذهب لتمويل شراء الغذاء والدواء خلال أزمة كورونا وما بعدها، إلا أن القضاء البريطاني، وبتوجيه سياسي واضح من الحكومة التي كانت تعترف بالدمية غوايدو، منع كاراكاس من الوصول إلى احتياطياتها السيادية ما ساهم بشكل في تدهور العملة المحلية (البوليفار) وانهيار القوة الشرائية للمواطن الفنزويلي، وخلق الظروف المعيشية القاسية التي يتذرع بها الغرب الآن لتبرير الغزو والاختطاف.
مكتب جورجيا ميلوني، رئيسة الحكومة الإيطالية، أصدر بياناً أعربت فيه عن معارضتها للتدخل العسكري من الخارج، لكنها تفهمت ما أسمته بالإجراءات الدفاعية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ضد التهديدات الهجينة (المزعومة) مثل تهريب المخدرات. ووصفت النرويج التدخل بأنه “تصعيد دراماتيكي”، مؤكدة على لسان وزير الخارجية إسبن بارث إيدي أنه رغم افتقار مادورو للشرعية الديمقراطية، فإن “خطوة الولايات المتحدة تنتهك القانون الدولي”. وفيما اكتفت حكومات إسبانيا وجمهورية التشيك بالدعوة إلى خفض التصعيد واعتماد القنوات الدبلوماسية، وصف رئيس وزراء سلوفاكيا، روبرت فيكو، اختطاف مادورو بأنه “دليل إضافي على انهيار النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.”
على الجانب الآخر من الأطلسي، رحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بـما أسماه “فرصة الحرية والديمقراطية” للفنزويليين، متجاهلاً تماماً ذكر الرئيس ترامب بالاسم أو طبيعة العملية العسكرية التي أدت إلى اختطاف رئيس دولة مستقلة ذات سيادة.
ومن المعروف أن كندا لعبت تاريخياً دور رأس الحربة في الجهود الدبلوماسية لعزل فنزويلا من خلال تأسيس وقيادة “مجموعة ليما” في عام 2017، وهو تحالف من دول يمينية في الأمريكيتين كان هدفه الرئيسي توفير الغطاء الدبلوماسي لمحاولات الانقلاب المتكررة ضد مادورو. لم تكتفِ أوتاوا بالدعم السياسي، بل وفرضت جولات متعددة من العقوبات على كاراكاس استهدفت 70 مسؤولاً فنزويلياً وكيانات اقتصادية.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-01-05
تعليق واحد
تطرق الاستاذ الكاتب عن مواقف وتناقضات الدول الاوربية والعالمية خارج اوربا من عملية اختطاف الرئيس المنتخب والشرعي لرئيس فنزويلا مادورو. لكنني اتسائل ماهو موقف الدول العربية بروسائها ومشايخها وامرائها واين موقف القوى الفلسطينية وحيث ان الرئيس مادورو كان يعتلي جميع المنصات في المناسبات ويرتدي الكوفية الفلسطينية ويلوح بالعلم الفلسطيني وكان يدعم فلسطين ويدعم حزب الله في لبنان وحركات التحرر العربية ، لماذا هذا الصمت والخنوع وعدم ادانة هذه العملية البربرية والفاشية والاستعراضية من الرجل البرتقالي القابع في البيت الاسود او ملعب الغولف الذي يمتلكه.
اتمنى ان يخرج تنديد او مظاهرة تشجب عملية الاختطاف لانه يستحق اكثر.
واخيرا لم نفهم بوضوح موقف روسيا الاتحادية على عكس موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية الواضح والشجاع بادانة الاختطاف