حين تسقط الأقنعة… الإمبريالية في أقصى عريها!
فاطمة الموسوي
اليوم، لم يكتفِ ترامب بخرق القوانين الدولية أو الدوس على أعراف السياسة العالمية، بل أعلن—بوقاحة سياسية صريحة—انهيار ما تبقى من خطاب «احترام سيادة الدول» وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. خرجت الإمبريالية من الظل، كاشفة أنيابها من دون مواربة، وكأن العالم لم يعد يستحق حتى زينة الخطاب الأخلاقي.
ما جرى ليس حادثة معزولة ولا انفعالًا عابرًا، بل علامة فاضحة على دخول النظام الدولي مرحلة أكثر توحشًا، تُدار فيها العلاقات بين الدول بمنطق القوة الصرفة لا بمنطق القانون. فنزويلا، هذه الدولة التي ارتكبت “الخطيئة” نفسها التي ارتكبتها دول كثيرة قبلها: رفض الإذعان، والتمسك بقرارها السيادي، والامتناع عن تسليم مقدراتها الوطنية، تجد نفسها اليوم تدفع ثمن هذا الموقف، فقط لأنها اختارت ألا تكون تابعًا.
ولكي لا يُختزل المشهد في سجال سياسي سطحي، لا بد من التوقف عند العامل الأكثر حساسية في هذه المواجهة: الثروة النفطية الفنزويلية. فهذه الدولة تختزن في باطنها الكتلة الأكبر من الاحتياطي النفطي المثبت عالميًا، وهو ما يجعلها هدفًا دائمًا لكل مشروع هيمنة يعتبر الطاقة مفتاح السيطرة، لا مجرد مورد اقتصادي.
من هنا يمكن فهم سبب الإصرار الأميركي على إبقاء فنزويلا في دائرة الضغط المستمر. فالقضية لا تتصل بإنقاذ شعب، ولا بتصحيح مسار ديمقراطي، بل بحسابات قوة ترى أن التحكم بمصادر الطاقة يعني فرض الإرادة السياسية خارج الحدود. النفط، في هذا السياق، يتحول إلى أداة إخضاع دولي، وإلى مبرر جاهز لإعادة هندسة المشهد السياسي متى ما تعارضت سيادة الدول مع المصالح الأميركية.
وعلى هذا الأساس، يُعاد تدوير الوصفة المعهودة: ضرب الاستقرار الداخلي، عزل القيادة عبر شيطنة إعلامية ممنهجة، خنق الاقتصاد بسلاح العقوبات، ثم فتح الطريق أمام نموذج حكم منزوع القرار، يدور في الفلك الأميركي، ويتولى توقيع اتفاقيات غير متكافئة تحت مسميات التعاون والشراكة، فيما تُدار عملية استنزاف الثروات بهدوء ومن دون ضجيج. إنها سيادة مشروطة، ودولة تُفرغ من مضمونها تدريجيًا.
الولايات المتحدة، التي لطالما قدمت نفسها بوصفها حارس النظام العالمي، لم تتردد في قصف دولة ذات سيادة، ثم تجاوزت ذلك إلى ممارسة الاختطاف السياسي لرئيسها، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه سقوط أخلاقي مدوٍّ. هنا لا يدور الحديث عن خلاف سياسي، بل عن قرصنة دولية تُمارس باسم الديمقراطية، وقوة غاشمة تُسوَّق تحت لافتة حماية المصالح.
ما يحدث في فنزويلا ليس استثناءً في سجل السياسة الدولية، بل نموذجًا صارخًا لعقلية إمبريالية لا ترى في الشعوب سوى تفاصيل هامشية، ولا ترى في الدول سوى مخازن ثروة قابلة للاقتحام. وحين ترفض دولة ما الانحناء، تُستدعى القوة العسكرية، وتُكسر القوانين الدولية على مرأى العالم، في مشهد يختصر المعنى الحقيقي للسقوط الأخلاقي العالمي… سقوط بلا قاع.
2026-01-05