التحولات التي أحدثها القرار اليمني في 19 مايو على موازين القوة البحرية!
كامل المعمري
حين أعلنت القوات المسلحة اليمنية في التاسع عشر من مايو 2025 قرارها القاضي باعتبار أي كيان تجاري أو شركة نقل بحري تتعامل مع الكيان الصهيوني هدفًا مشروعًا ضمن معادلة الردع البحري، كان ذلك لحظة تأسيسية لتحول بنيوي في مفهوم الردع، كما عرفته المنطقة العربية منذ عقود.
ذلك القرار، الذي أُصدر في توقيت بالغ الدقة، يمثل فعلًا سياسيًا من النوع الذي يعيد تعريف منطق القوة كإرادة استراتيجية قادرة على استخدام الموارد المحدودة لإنتاج تكلفة متزايدة على خصوم يفترض أنهم يتمتعون بتفوق عسكري ساحق. وعلى الرغم من أن القرار قد يبدو للوهلة الأولى مجرد بيان عسكري ضمن سلسلة طويلة من التصريحات، إلا أن نتائجه المباشرة، والتفاعلات الدولية التي أعقبته، تكشف أنه يمثل نقطة انعطاف في قواعد الردع المتبادل، بل وفي هيكل الأمن البحري في الإقليم.
لقد درجت العقيدة الأمنية الغربية، ومنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، على اعتبار الردع وظيفة تتصل بالقوة الصلبة: حاملات طائرات، قواعد عسكرية، تحالفات نووية، نظم دفاع جوي، وغيرها من الأدوات التي تكرّست كضمانة للهيمنة الغربية على الممرات المائية وشبكات التجارة. وظل هذا الفهم مستقرًا إلى حد كبير، حتى جاءت معركة البحر الاحمر لتعصف بتلك الصورة،
وذهب والقرار اليمني إلى ما هو أبعد: إخضاع التجارة الدولية لمعادلة ردع إقليمية غير متكافئة، قائمة على تحليل معقد لسلاسل التوريد، وربطها بموقف سياسي–أخلاقي محدد من القضية الفلسطينية.
يستند القرار اليمني إلى فرضية مركزية واضحة: من يموّل الاحتلال الإسرائيلي، أو يتعامل معه، فهو طرف في الحرب عليه. وهذه الفرضية أخلاقية في بنيتها، وفي جوهرها تعيد إنتاج منطق الردع ضمن حقل اقتصادي–بحري لم تعتده القوى الغربية. فلم يعد الردع مقتصرًا على ردّ الضربات أو مراكمة القدرات، بل بات يتضمن ضبط السلوك التجاري لشبكات دولية عملاقة، بإشارة من صنعاء.
والأهم من ذلك، أن القرار لم يأتِ كرد فعل فوضوي أو عملية انتقامية مؤقتة، وانما جاء ضمن منظومة قرار سياسي مؤسسي، توّج عاما ونيف من معركة مع التحالف البريطاني الامريكي واكثر من 18 شهرا من العمليات الدقيقة في البحر الأحمر، نفذتها القوات المسلحة اليمنية ضد سفن تحمل صلات تجارية بالكيان الصهيوني. وكان لافتًا أن هذه العمليات لم تكن عشوائية، بقدر ما كانت تقوم على استهداف محسوب ومرصود لأهداف محددة بدقة عالية، بناء على بيانات استخباراتية ومعلومات تجارية موثقة، وهو ما خلق لدى المتابعين انطباعًا حاسمًا بأن صنعاء لم تعد تكتفي بالردع السلبي، وانما تصوغ معادلته النشطة.
ومن زاوية نظر أوسع، يمكن إدراج القرار اليمني ضمن ما يُعرف في النظريات الاستراتيجية بـ الردع المتصاعد وهو نوع من الردع لا يستهدف إيقاف الخصم فحسب، وانما إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها، بحيث يجد نفسه مضطرًا لمراجعة خياراته بالكامل، في تعامله مع النظام العالمي برمّته. إذ لم تكتف صنعاء بتوسيع نطاق الاشتباك مع الكيان الصهيوني، وانما نقلت المعركة إلى المجال اللوجستي والتجاري العالمي، موجهة رسائل حاسمة إلى شركات عملاقة مقرها في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.
وبالمعنى المفاهيمي، فإن هذا التحول يعيد تعريف الردع من أداة عسكرية إلى أداة سياسية مركّبة، تجمع بين المعطى الأخلاقي، والتحليل الاستخباراتي، والقرار العملياتي، والتأثير الرمزي.
إنها رمزية جديدة تقول إن “دولة محاصرة منذ عشر سنوات” يمكنها أن تعيد صياغة منطق المرور في أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
هذا البُعد الرمزي هو ما أربك القوى الغربية، وجعل المركز المشترك لمعلومات الملاحة البحرية وهو مركز استخباراتي أمريكي بريطاني يصدر تقريرًا أشبه برسالة تحذير عاجلة. ولعل أشد ما أثار الذعر هو أن المركز لم يجرؤ على التشكيك في مشروعية القرار اليمني أو كفاءته، بل اعترف، ولو ضمنيًا، أنه قرار قائم على تحليل واقعي ومؤثر في قرارات الشركات الدولية.
فإذا كان الردع في معناه التقليدي يعني منع العدو من الإقدام على فعل معين عبر التهديد بعقوبة رادعة، فإن القرار اليمني لا يكتفي بذلك. إنه يمنع شركات الشحن من الاستمرار في علاقتها مع إسرائيل عبر رفع تكلفة هذه العلاقة، وجعلها محفوفة بالخطر. لكن الأهم من كل ذلك، أن القرار لا يقوم على الافتراضات، وانما على تجارب ميدانية ناجحة، حيث استهدفت القوات اليمنية سفنًا محددة بالفعل، وتراجعت شركات دولية عن المرور في مناطق معينة، وأُجبرت شركات أخرى على تغيير أنماط عملها.
ومما يعزز القيمة الاستراتيجية لهذا القرار، هو أنه يأتي في لحظة اختلال عالمي واسع، حيث تفقد الولايات المتحدة تدريجيًا قدرتها على السيطرة المنفردة،بعد خوضها معركة خاسرة مع اليمن في البحر الاحمر وتتشظى قوة الردع الغربية بين مناطق عديدة: من أوروبا الشرقية إلى بحر الصين الجنوبي. وفي هذا السياق، فإن تحركًا من صنعاء لا يُنظر إليه كحالة محلية،وانما كجزء من موجة عالمية ترفض هيمنة أحادية على تعريف الأمن والسيادة.
وما يزيد من خطورة هذا القرار في الحسابات الغربية أنه غير مرتبط بزمن محدود أو مطلب مباشر، بل هو قرار مفتوح حتى توقف العدوان على غزة ورفع الحصار عنها وهذا يعطيه صفة “التدفق الاستراتيجي”، بمعنى أنه سيتحول إلى حالة مستمرة من الضغط، لا يمكن إنهاؤها بسهولة دون تغييرات جوهرية في السلوك العدو، وهو ما يجعل الولايات المتحدة في وضع بالغ الحرج: إما أن تضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، أو أن تخسر ورقة الثقة مع شركائها التجاريين.
وإلى جانب كل هذه الأبعاد، ثمة بعد آخر بالغ الدلالة، يتمثل في أن القرار اليمني لا يعترف بـ “الحياد التجاري”. بمعنى أنه لا يرى في الشركات التجارية طرفًا محايدًا في النزاع، بقدر مايعتبر أن التعامل الاقتصادي مع الكيان هو فعل سياسي له عواقبه. وهذه القطيعة مع المنطق الغربي السائد حول “حرية التجارة” و”حياد السوق”، تمثل صدمة مفاهيمية لنظام طالما قدّم نفسه كوسيط عادل.
وهنا يكمن أحد أبرز عناصر القوة في القرار اليمني: أنه يواجه تحالفًا عسكريًا بتكتيك سياسي–أخلاقي غير متماثل، ويرغمه على الدخول في دائرة التبرير والدفاع والتفسير أمام شركاته ومواطنيه. فحين تضطر البحرية الأمريكية والبريطانية لتقديم “خدمة تحليل مجانية” للشركات تسألهم فيها إن كانوا ضمن لائحة الاستهداف اليمني، فإن الردع لم يعد يُقاس بحاملات الطائرات، بل بمن يملك القدرة على تغيير سلوك السوق.
إن القرار اليمني الصادر في 19 مايو وما سبقه من قرارات كان بمثابة تدشين لمرحلة جديدة في أدوات الردع والاشتباك الجيوسياسي. مرحلة يُعاد فيها تعريف الردع بوصفه توازنًا بين الإرادة والفعالية، لا فقط بين الصواريخ والدروع. وهو بذلك يمثل تحولًا فلسفيًا واستراتيجيًا على حد سواء، في سياق يشهد انهيارًا تدريجيًا لمنظومة الهيمنة الغربية، وصعودًا لقوى “غير نظامية” لكنها تملك شرعية القرار ووضوح الهدف ومرونة التكتيك.
2025-08-12