في مقابلة إذاعية مع رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة وعدد من متقاعدي القوات المسلحة، بثتها قناة “جيش أف أم” مؤخراً، ما جاء فيها من حديث دائري مقصود عن الوطن والمواطنة والوطنية وغيرها من التصريفات اللغوية لكلمة وطن، ذكرني بدراسة قرأتها عن العلاقة واوجه الشبه بين السجع السياسي للمستبدين والطغاة، وعبارات السحرة التي صممت لتكون غير مفهومة. فالساحر والمستبد الفاسد -أينما كانوا- يرددون كلاماً لا معنى موضوعي له، سوى الحفاظ على موقعهم كمرجع وحيد لتفسير الإشارات والكلمات. والمستبد الفاسد الذي ينتمي وعيه لمرحلة السحر، يصر على أنه “بشخصه ورؤيته المُدّعاة ” المرجع الوحيد للصواب والخطأ.
وربط الوطن بالزعيم “فكرة وطنية ميتة”، مفهوم يمكن توضيحه استناداً لدراسة “أرنست جلنر” (الهويات المتخيلة Imagined Identity). حيث يوضح أن تصنيع الهويات وتركيبها يجري استناداً إلى قصص عن الماضي (يعاد صياغتها)، لتغييب الشعب ولإحلال أبطال الماضي (أو الفاعل الغائب) بدلاً منه، ومنح بعض المعنى للرموز المجردة للوطن ليقال ان المستبد الفاسد وعائلته تجسيد للوطن. فما يصفه جلنر هو استعمال مكونات ميتة لإنتاج “فكرة وطنية ميتة”، هدفها دفع “المواطنين” للاستسلام، لتسهيل السيطرة على سلوكهم تجاه حاضرهم ومستقبلهم، ومحاولة لتوقيف الشعب على رأسه، وقتل للوطن. فالمقصود حسب جلنر ان تؤدي “الفكرة الوطنية الميتة” إلى شل القوى الشعبية ومنعها من التحرك للسيطرة على واقعها ومستقبلها. “فالفكرة الوطنية الميتة” التي تقول إن وجود الوطن مرهون بوجود المستبد الفاسد، وظيفتها وهدفها أن تشل الشعب وتحوله مع أرضه إلى غنيمة للمستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم.
إن إصرار العائلة التي اختطفت الأردن على تغييب النشيد الوطني الأردني -على مدى قرن من الزمان- يؤكد أنهم لا يرون في الأردن إلا غنيمة، ومكافأة لهم على تعاونهم مع الاستعمار البريطاني في الحرب العالمية الأولى. إذ أن النشيد الوطني الأردني الذي يكثف قصة الأردنيين ودورهم في تأسيس (دولتهم الوطنية)، يحولهم إلى حقيقة بالمعنى المضارع للكلمة، ويمثل النقيض الفعلي والعملي لأكذوبة ربط الوطنية الأردنية بالخضوع للمستبد الفاسد.
الفكرة الوطنية الميتة الهادفة لتكريس بداهة مشوهة وكاذبة، ليست مجرد لغو إعلامي، بل صيغة حماها المستبد الفاسد بالقانون. فحسب الفقرة الرابعة من المادة الرابعة من قانون الجنسية رقم 6 لعام 1954، والمعدل بالقانون رقم 22 لعام 1987، فإن أي عربي لا يكتسب الجنسية الأردنية قبل أن يؤدي قسم الولاء للملك امام قاضي الصلح. فعنوان أن تصبح أردنياً هو ان تقسم في المحكمة يمين الولاء للمستبد الفاسد.
إن استعادة فكرة المواطنة وتمكين الشعب ليقف على قدميه من جديد، وتحريره من أكاذيب المستبد الفاسد وخدعه وبهلوانياته وتمائم سَحَرته، يقتضي ربط الفكرة الوطنية بالحاضر والمستقبل من خلال قيم تحررية ومواقف حاسمة نتمسك بها أهمها: اولاً لا نقبل، ولن نقبل أن تحشر هوية الوطن في جلابيب عائلة. على الملك وعائلته أن يثبتوا انتمائهم وانتسابهم لهذا الوطن لا أن ينسب الوطن لهم. وثانياً لا نقبل، ولن نقبل أن يكون الولاء للمستبد الفاسد وعائلته عنوان المواطنة، بل إن النضال ضد استبدادهم وفسادهم هو العنوان الحقيقي للهوية الحية وللمواطنة بمعناها الفعال. فالأردن وطن حر لكل مواطنيه، والنضال من اجل تحرير الأردن واسترداده من قبضة المستبد الفاسد هو بوابة المواطنة ومعيارها. ثالثاً لا نقبل ولن نقبل أن تبقى مؤسسات الدولة أدوات للمستبد الفاسد لإخضاع الشعب وإلحاقه بمشروع عائلي يمزج الاستبداد بالفساد بالتفاهة والخواء، الأردن هو وطن مؤسساته يحكمها ويقودها ضميرها المهني الحر وهدفها خدمة مصالح الشعب.
التحرر من الفكرة الوطنية الميتة، يتطلب التمسك بحقيقة أن الفكرة الوطنية تبقى في طور التجدد والبناء، ولم تكن ولن تكن، مقاولة أنجزها المستبد الفاسد في “ماض ما” وانتهى بناؤها. إن الفصل المتمم لقصة الأردن التي بدأت في مؤتمر امكيس 2-5 أيلول عام 1920، (والذي يعيد إحياء الفكرة الوطنية) هو العمل والنضال من اجل استرداد الدولة سلطة وموارد، ليكون الأردن دائماً قادراً على التجدد وطناً لكل أبنائه ولكل مَن سيشارك في تحريره من المستبد الفاسد.
وهنا يجب الإشارة إلى اندماج الفكرة الوطنية مع الإرادة العامة للشعب، فلا وطن تُغيّب الإرادة العامة لشعبه، كما لا توجد إرادة عامة لمن لا تجمعهم فكرة وطنية. لذلك يسعى المستبد الفاسد لتفكيك وحدة المجتمع، بخطوط انقسام وهمية في سياق اعتراضه تَشكُل فكرة وطنية جامعة وإرادة عامة مستقلة عنه. والقول بأن المواطنة تتجسد بتخلي الشعب عن كرامته وإرادته وتحوله إلى تابع لمستبد فاسد، هو خزعبلات وتمائم سحرية لن تمر على شعبنا. كما أن ربط المواطنة بالولاء للمستبد الفاسد، كلام يتناقض مع جوهر الفكرة الوطنية ومضمونها، ويبقي الشعب مقلوباً على رأسه. فالأصل ان الملك وظيفة لخدمة الشعب حسب قواعد صارمة لممارسة السلطة، إذا خالفها يعاقب بالعزل والحرمان، ومن العبث القول في القرن الواحد والعشرين أن الشعب مجرد وظيفة لتحقيق طموحات الحاكم، ومكافأته على ما قدمه من خدمات للقوى العظمى.
أخيراً، إن الوطن فضاء وسماء تمنح أبنائها حق الغضب وشرعيته. فهو ليس فقط تراباً يُعشق، ولا جدران نحن إليها (أو بسبب الفساد والإهمال تنهار على رؤوسنا)، بل أيضاً فضاء حياة كريمة تعبر عن قيمنا ونصون بها كبرياءنا، ونرسم ملامح وجوهنا على تضاريسه. فالمواطنة لا تُستجدى ولا تطلب ولا تُنتظر أن تُمنح، إنها صفة أصيلة متصلة بكينونة الشعب وشخصيته، وحق أصيل للأفراد والجماعات غير قابل للتغريب. وإذا شاء مستبد فاسد أن ينازع شعب على مواطنته فهذا من أكثر أسباب الثورة شرعية، ومن أكثرها قبولاً في القانون الدولي. منازعة المستبد الفاسد لشعبه أو لجزء منه على مواطنته سبب كاف لعزله والتخلص منه. كما أن تحدي المستبد الفاسد أحد أهم محطات تطور الفكرة الوطنية واندماج المجتمعات والأفراد بها. فأي إنسان أياً كان منبته وأصله وعرقه ودينه، يكتسب حقه بالمواطنة الأردنية ويساهم بتطويرها، بمدى مساهمته بتحرير الأردن من الاستبداد والفساد.