التاو…!د.موفق محادين.
كن كلاً حقيقياً..تأتي إليك كل الأشياء:
ينسب التاو إلى أول فيلسوف صيني، هو لاوتسه الذي سبق كونفوشيوس..ومع كل التعريفات التي تحيط به، الصراط، الجوهر، النواميس الثابتة، القانون الطبيعي، العقل الأول، مصدر الفيض، مبدأ الطبيعة، فلا سبيل لتعريفه..اسم عار عن الصفات، وهو ليس شيئاً وإنما بداية الأشياء التي لا يمكن تحديدها أيضاً..كأن ثمة وجود، وكأن ثمة لا وجود..
ويعود الفضل في تقديمه للقارئ العربي إلى هادي العلوي الذي سبق كتاب فراس سواح بعدة سنوات.
ولم يكتف هذا الباحث العراقي الراحل المعروف بجلده الذي لا يصدق، بترجمته للطبعة الإنجليزية التي حققها الباحث الصيني جيافو فنغ، بل عزز هذه الترجمة بعشرات الدراسات والأسانيد والمقاربات..
ويخبرنا في مقدمته الطويلة أن المبدأ (التاو) لا يرهن نفسه في حالة تستهلكها بل ينتج بأشكال لا تنفصل عنه، والكائنات هي استطالاته التي لا تنقص منه شيئاً..
والاستطالة بهذا المعنى قريبة جداً من معنى التمدد في الكيمياء حيث يلجأ لاوتسه إلى هذا الفرض لئلا يعرض المبدأ للنقص والاستهلاك والزوال..بيد أنه، لاوتسه، يعترف، ابتداء بعجزه عن استكناه هذا الفعل إلا بالحدود الظاهرة، قوةة الاستطالة الفائضة عن الأم الخفية..حيث تنشأ السماء والأرض كتاريخ متعين للقوة الخفية، وكإستطالات مادية أولها الهواء الأوسط (التشيء) أو العماء البدائي اللطيف مصدر المحسوسات جميعاً…والبداية الكبرى للمادة.
وتستمر الكائنات بإنتاج نفسها بهذه الطريقة..المادة الأنقى تصعد فتكون السماء، والمادة الأقل نقاء تهبط فتكون الأرض..ومن المادة الأفضل مزاجاً يتكون الإنسان بعنصرية الين واليانغ، الذكورة الإيجابية، والأنوثة السلبية، الليل والنهار، وكل تناقض يتبادل الوحدة والصراع.
ومع الإنسان المحدود، المتعين، العابر يظهر سر التاو الأعظم، السلب الذي يستغرق كل الأشياء (باللارغبة يصل المرء إلى المحجوب) حيث يصل بالرغبة إلى المشهود ويتجول الحكيم دون أن يفعل شيئاً ويعلم دون أن يتكلم.
حالات من التاو
(1)
كل من تحت السماء يمكنهم رؤية الجمال جمالاً لأن ثمة قبحاً..
وكلهم يستطيعون أن يروا الخير خيراً لأن ثمة شراً…
(2)
عدم الاكتناز يمنع السرقة..
عدم النظر إلى المرغوبات يمنع تشوش القلب..فإذا ما افتقر الناس إلى المعرفة والرغبة فلن يفكر أحد بالتدخل…وإذا لم يفعل شيئاً فسيكون الجميع على أتم حال.
(3)
السماء والأرض ليستا كريمتين..
وما عداهما مثل دمى الحقول..
(4)
الماء يهب الحياة ولا يكل..
ويجري في مواضع يتجنبها الإنسان فالماء يشبه التاو..
في السكن كن قريباً من الأرض..في التأمل توغل مع الضمير..
في الكلام كن صافياً
(5)
خير لك أن تقتصر على القليل..
شحذ المدية كثيراً يثلم حافتها وكذلك الذهب والدنيا..
فانسحب عند إنجاز العمل..
هذا هو سبيل السماء..
(6)
ثلاثون محوراً تشترك في مركز العجلة لكن ثقب المركز هو الذي يجعلها صالحة للاستعمال.
(7)
احمل الجسد والروح تحتضن الواحد..
ويحتضنك..
هذا هو التاو
(8)
الألوان الخمسة تعمي العين..
وتصم الآذان وتفسد الذوق..لذلك، الحكيم سيد الشعور تاركاً ما يراه لما يحس به.
(9)
الثلاثة التي لا تسمع ولا تمسك ولا تمس لا تعرف..فهي مندمجة في واحد..من الأعلى ليست مضيئة..من الأسفل ليست معتمة..خيط غير مقطوع يمتنع وصفه..شكل اللا شكل وصورة اللاصورة لا تعريف ولا خيال…
قف قبلها لا ترى بداية…
قف بعدها لا ترى نهاية..
هذا هو التاو
(10)
الشاهق جداً يعرف بالكاد..
يخافونه..أو يزدرونه من لا يثق بأحد لا يثق به أحد..حينما تتم الأفعال بدون كلام زائد يقول الناس: نحن فعلناها.
(11)
حيث يكون التاو العظيم منسياً وحيث ينعدم السلام وتعم الفوضى يكتشف الناس أنفسهم..
كن كلاً حقيقياً..
تأتي إليك كل الأشياء..
(12)
الزوابع لا تدوم كل الصباح..
ما السر في هذا..السماء والأرض..فإذا لم يكن لهما أن تخلد الأشياء كيف يكون ذلك الإنسان، من يتبع التاو..يكون له كذلك..
(13)
من يقف على طرف أصابعه ليس راسخاً..من يعدد مآثر الناس أو مآثره يجانبه التاو..
(14)
المشاء الجيد لا يترك أثراً..
المتكلم الجيد لا يزل لسانه..
الباب الجيد لا يحتاج حارساً..
والرجل الصالح لا يحتاج للدعاء..
(15)
المربع الكامل ليست له زوايا..
والنغمات العليا يصعب سماعها والصورة العظمى ليس لها شكل
هكذا التاو
(16)
المرء يكسب بالخسارة
ويخسر بالكسب
فاعلم إذن..
العنيف يموت ميتة عنيفة..
(17)
ما من خطيئة أعظم من الرغبة ومن يعرف أن الكافي هو الكافي يحصل على الكفاية دوماً..
(18)
من غير أن تطل من النافذة يمكنك أن ترى دروب السماء..
وبقدر ما تذهب بعيداً تعرف قليلاً..فالعالم يقوم على ترك الأمور لمجاريها ولا يدار بالتدخل.
(19)
الذين لديهم أكثر مما يستطيعون استعماله..أولئك هم السادة اللصوص..
وليس هذا بدرب التاو..
(20)
احرس حواسك..
كن واحداً مع تراب الأرض..
هذا هو الاتحاد الأكبر..
فمن يكنه لا يعنيه..
الخير والشر..
(21)
كما تفرض الأنهار الكبيرة ملكوتها على الأنهار والجداول الصغيرة..ليس على الحكيم أن ينخرط في منافسة..
(22)
الشجاع الحليم يصون الحياة..والشجاع المزاجي قاتل أو مقتول..
(23)
إذا لم يكن الناس خائفين من الموت فلا جدوى من تخويفهم به..
وإذا لم يعبأ الناس بالموت..
فلأن الحكام يطلبون ثمناً باهظاً للحياة..
(24)
لا تبعث لخصمك فصيلاً من أربعة خيول…
ولا تبعث للوزراء الثلاثة هدية من أي نوع الزم مكانك، وحسب وأظهر التاو، على يمينك ويسارك..
(25)
بالقليل من خسائر العدو لا تربح المعركة وبالكثير منها تخسر نفسك…
2021-03-12
تعليق واحد
الصديق العزيز د. موفّـق محادين : كنت وادّاً لو أنّـك استرسلت قليلاً في تعريف منهج أستاذنا الراحل هـادي العلوي في تـأثّره بلفسفة التـاو، وكيف انعكس ذلك على رؤاه العلمية، ومسلكه في الحياة، ومن ثم التعريج على ترجمته لفلسفة نصوص ” التـاو” مع خالص التقدير .
د. خيرالله سعيد