الامر اخطر من ذلك بكثير ايها السادة !
عارف معروف.
ثمة افقٍ خطيرٍوملامح مُنذرة يشي بها حادث الاعتداء على ضابط الشرطة ، بالصورة التي رأيناها ، ويفصح عما قد تؤول اليه الاموراذا تُركت على عواهنها وفي خط سيرها الحالي من نتائج وبيلة قد تعم بآثارها المجتمع العراقي والدولة العراقية او بقاياها عموما !
فدلالة الحادث ابعد مما يريد البعض ان يحصره في اطار مجريات الحادث نفسه دون التطلع الى ماوراءه من آفاق وتدهورات محتملة وابعد من الجدل السطحي في هل كان الضابط بطلا في قدرته على ضبط انفعاله وردود فعله ام ان البطولة والحق الى جانب من اعتدوا عليه ممن سموا بال” متظاهرين ” وكفالة حقهم في ” التظاهر” وفي رد القهر السلطوي الذي اراد ان يمارس سطوته عليهم في شخص ذلك الضابط الشاب …
فمما لا يمكن ، لاحد تجاهله او عدم القلق بشأنه ان هذا الحادث هو غيض من فيض في وقائع تكاد تكون يوميه استهدفت وتستهدف بالاعتداء او التحدي او التسفيه والاستخفاف كل الضوابط والثوابت والحقوق والمؤسسات بل والقيم الايجابية الخيرة او المتبقي منها وكأن هناك حربا منظمة وخطة منهجية لتدمير الضبط والنظام ، في هذا المجتمع بأية صورة تبدّى وعلى اي شكل كان ، وكل هذا يتم برعاية وحماية وترويج جهات ومراكز قوة بعضها صريح ومعلوم وبعضها الاخر خفي ويتغطى تحت واجهات وتسميات خادعة ومظللة وآخر متحكم وعميق ولا ترى منه حتى مايرى من جبل الجليد !
يهتف احد المعتدين ، وهم يضربون ضابط الشرطة ويمسحون به الارض بتهمة جاهزة اصبحت شائعة وهو يصور الوقائع بهاتفه النقال : ” لقد اعتدى على المتظاهرين واراد ان يفعل كذا وكذا ” اي انه نشر راية القداسة التي يبطل بعدها اي كلام ! وهذا ما حصل ، في وقائع عديدة ومتواترة واكثر وحشية ، طوال عام ! فقد ضُرب ضابط شرطة حتى الموت من قبل جمهور هائج و احرق آخر حيّا ومزقت اشلاء جريح ومرافقه وصُلب طفلٌ في ساحة عامة وسط بغداد، كل ذلك بأسم قدسية التظاهر و” معصومية ” المتظاهرين !
وبعيدا عن هذا ، ولكن لصيقا به اشدّ الالتصاق ، جرى ، قبل الكورونا وما فرضته ، تحريض الطلاب على مدرسيهم واغلقت الدوائر و المدارس والجامعات وضرب بعض اساتذتها بل وشكلت ” افواج مكافحة دوام “(!!) من صبيان ومراهقين وراحت تجوب شوارع المدن ببزات وشعارات مطبوعة وهي تحمل العصي والسكاكين باسم التظاهر مرة والاعتصام اخرى ، برعاية وتحريض اجهزة اعلام وفضائيات ومراكز ادارة نشاطات ومختصين متدربين ومنظمات مجتمع مدني وصفحات ممولة تبنت ورعت وروجت لاي فعل مخل ولاي ممارسة ضارة باسم التظاهر وشرعية الاحتجاجات ودعمت وياللاسف من اناس ومثقفين صادقين ومخلصين توهموا ان هذه الافعال المريبة هي تعبير شعبي جادت به ” عبقرية ” الظرف العراقي وادراك شبابه ونضح تجربته !
نعم ، لقد استشهد المئات وجرح الالوف من الشباب والصبيان ، الفقراء والابرياء ، الذين دُفعوا او اندفعوا للتظاهر والاحتجاج باسم مطالب حقة ومشروعة ومعاناة حقيقية ومريرة من الفساد ونقص الخدمات وفوضى الادارة وغياب العدالة والفقر والاهمال واستخدموا ككتلة ووزن مؤثر في مناورات وضغوط او ” ماشة نار ” كما يقول المثل العراقي طوال اشهر فماذا كانت النتيجة ؟!
لم يتحقق اي شيء ، بل ازداد الامر سوءا ولم يقبض احد من المتظاهرين الحقيقيين او الناس العاديين الذين التفوا حول المطالب العادلة ودعموها بكل قوة ووجدوا فيها بارقة امل ..اي شيء ، وبدلا من ذلك جيرت النتائج لصالح الاكثر فسادا وديماغوجية وبعدا عن الضمير وارتباطا بالمصالح الخارجية وبقيت ثمالة من خيّم وافراد يمكن المناورة بها ونفخها في اية ساعة لتحقيق اية ضغوط مطلوبة لمراكز الادارة السرية باي اتجاه تريده وبقيت لافتة ” القداسة ” التي يمكن رفعها ، عند الحاجة ،في وجه اي مبدأ او قيمة اومؤسسة او شخصية لتأليب الغوغاء عليه وتدميره !
لوحظ ،كذلك ، في الفديو ، و بوضوح ، ان افراد الدورية لم يتدخلوا ابدا لحماية آمر الدورية او الحيلولة دون الاعتداء عليه او محاولة فرض القانون او على الاقل فض الاشتباك والعراك بدلا من ترك زميلهم او آمرهم لمصيره ، وهذا امر خطير آخر ، بل شديد الخطورة في مضمونه ، فهذه اللا مبالاة والتخلي وتجنب المسؤولية والخوف سنجدها ليس فقط عند هذا الشرطي في دوريته بل وعند المدير في مدرسته والموظف في دائرته والاستاذ في كليته … الخ اتجاه كل من يُعتقد ان وراءه قوة او عصبية سواءا المتظاهرين او العشيرة او الحزب او غيرها ولكن سيتم تعويضها بشراسة وعنجهية في التعامل مع اي مواطن بلا سند او ظهر، ذلك ان كل مكلف بخدمة عامة تُرك دون اية حماية قانونية او سند شرعي من دولة يعتد بها ولذلك فانه يحاول تسوية الامور لصالحه باقل قدر من التكاليف ليس على حساب الحق والقانون فقط بل وعلى حساب كرامته الشخصية عدا استثناءات نادرة !
من يلعب بمجتمعنا هذه اللعبة الجهنمية ومن يقوده الى التدهور والانحلال ؟! من يريد ان يجرده من كل عنصر من عناصر حياة وامن المجتمعات من ضبط وربط ومنطق وقيم وقانون ووحدة وتعليم وعمل ؟ من يعمل على اشعال فتيل حرب الجميع على الجميع والسعي بالعراقيين الى مآل اخطر بكثير مما عرفوه وعاشوه من ويلات ومحن حتى الان ؟!
2020-08-15