الاحتلال والاتفاق معه من منظور وطني…في جدل الفكر السياسي الوطني!
أحمد الناصري.
أعيد نشر سلسلة من الآراء والمواقف والأوراق ضد الاحتلال والاتفاقية السابقة، للتوثيق ولتثبيت الخلاف والاختلاف بين موقفين، موقف وطني، وآخر غير وطني من الاحتلال، شارك وساهم بالكارثة.
إن من اعتبر الاحتلال تحرير أو تغيير، وشارك بالعملية السياسية الطائفية، لا يعرف ولا يطرح قضايا ومهام الاستقلال والتحرر الوطني، بل يقف ضدها!
الاحتلال والاتفاق معه من منظور وطني…
في جدل الفكر السياسي الوطني
هل يوجد في التاريخ احتلال وسيادة على أرض وطنية واحدة في نفس الوقت وعلى نفس المكان؟ هل يمكن تسمية الغزو والعدوان والاحتلال تسمية أخرى؟ وهل يجوز لطرف داخلي محلي (وطني) أن يتفق مع محتل خارجي ويمنحه ما لا يملك من حقوق وطنية عامة وليست خاصة؟ وهل هناك تجارب ناجحة من هذا النوع؟ ماذا يترتب على هكذا اتفاق من الناحية السياسية الوطنية والقانونية؟ هل تكون هذه الاتفاقيات لصالح البلد المحتل أم للطرف الخارجي؟ هل نجحت المعاهدات الاسترقاقية في تأمين بقاء الاحتلال البريطاني والفرنسي في منطقتنا العربية؟ ما هو مصير المعاهدات البريطانية في العراق ومصر؟ ولماذا يحتاج المحتل الى معاهدات؟ وهل تستطيع قوى محلية معينة أن تمنح شرعية حقيقية للمحتل بالاتفاق معه؟ وهل يحق لها أصلاً القيام بهذا العمل من منظور وطني؟ هل تتغير العلاقة مع المحتل بمجرد عقد هذه المعاهدات، كأن يصبح ليس احتلالاً مثلاً؟ وهل تحقق استقلال وطني واحد من دون نضال وطني حقيقي؟ هذه الأسئلة الأساسية وغيرها يمكن لها أن تساهم في تحديد وتلخيص جوهر وطبيعة الاحتلال وأساليبه والموقف الوطني منه، التي يحاول أن يفرضها على البلدان الواقعة تحت سيطرته بواسطة إجراءات (قانونية) زائفة وغير شرعية، كغطاء لما بعد العدوان العسكري المباشر وللغزو، لكنها باطلة بالمفهوم القانوني نفسه قبل المصالح والمطامح الوطنية والقومية والتاريخية الطبيعية والمشروعة للشعوب والدول، وهو يتنافى بشكل قاطع وكامل مع اللحظة السياسية الدولية القانونية والتاريخية التي نمر بها اليوم، بعد سقوط عصر الاستعمار القديم بشكل رسمي وحسب شرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي على الأقل. لكن يبدو لنا أن منطقتنا العربية لم يشملها التطور القانوني والسياسي العالمي، ولم تدخل الى العالم (المتطور والمتحضر) بعد، أو منعت من الدخول أليه لأسباب عديدة وكثير، داخلية وخارجية يطول شرحها، خاصة بعد فشل الثورات الوطنية التحررية في إنجاز مهامها.
ما دامت بلادنا تحت الاحتلال العسكري المباشر، وهو شكل قاسي وبشع من العدوان والسطو المسلح والاستلاب والاستغلال والتخريب الجماعي، الذي يستدعي ويشترط القتل والتدمير الجماعيين، يتنافى مع أبسط شروط الكيانية الوطنية والسيادة والاستقلال الوطني، ويستدعي بل يشترط المقاومة الوطنية بكافة أشكالها، وهي عناوين توصيفية أساسية لا يمكن تجاوزها أو تكسريها أو تقطيعها بأية طريقة سياسية أو إعلامية ولأي غرض كان، وأن أية محاولة تمييع لشكل وجوهر الاحتلال، هي محاولة عقيمة وفاشلة بل منبوذة على جميع المستويات الوطنية. وأن الزمن لم يتجاوز بعد المفاهيم الوطنية الأساسية مادام هناك استعمار عسكري مباشر، وهو ما ينطبق على حالتنا الوطنية من دون جدل أو نقاش، لأن ما يجري في وطننا شكل من أشكال السيطرة الخارجية التامة والمطلقة، وتسيير كل تفاصيل الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية، مع تهديد مباشر وعلني لوجود الوطن، بعد تحطيم وتهشيم الدولة ومؤسساتها بشكل تعسفي ومقصود.
نتابع منذ بداية الاحتلال الخطوات والإجراءات التي سيتخذها حسب تطور الوضع الميداني والسياسي، ومدى سيطرته أو عدمها على الأرض، وكنا نتوقع عدد من الإجراءات والخطوات التقليدية أو المبتكرة، ومنها تنصيب إدارة محلية تابعة وتوفير الحماية لها، مهما كان شكلها وهزالها أو تعطلها، مع مسوح من الانتخابات والدستور والبرلمان، ومطالبتها بتجديد استمرار تواجد قوات الاحتلال، لكي يبدو احتلالها بطلب داخلي، وتكليف عناصر داخلية للمطالبة بمعاهدات أمنية طويلة الأمد، وبناء قواعد عسكرية ثابتة في مناطق إستراتيجية من البلاد، وأخيراً المطالبة بعقد معاهدة شاملة لفرض شكل العلاقة على بلادنا.
من الطبيعي القول أن الطرف الداخلي التابع لا يملك حق وإرادة الرفض أو الاعتراض على إجراءات الاحتلال، وربما يقبل بكافة شروط المحتل ويبررها كما يجري الآن، مقابل توفير الحماية والاستمرار للإدارة المحلية، في صفة مشينة أصبحت معروفة على حساب أبسط المصالح الوطنية. لكن الذي لفتني وبدا خارج السياق من بين المحاولات التضليلية الفاشلة بل الساذجة، القول بأن هذه الإتقافية ليست ملزمة؟ ونحن بدورنا نتساءل ليست ملزمة لمن؟ هل بوش الذي قرر وفرض اتفاقية على الطرف المحتل لتأمين المصالح الأمريكية ثم لا يلتزم بها؟ وهل يحق للإدارة المحلية التابعة عدم الالتزام بما يقرره سيدها وحاميها؟ إنها لعبة لغوية في منتهى السذاجة والبدائية، ولكن يمكن لطرف واحد فقط عدم التزامه بهكذا معاهدات إسترقاقية، هو شعبنا العراقي وحركته الوطنية التي أسقطت جميع المعاهدات السابقة التي فرضها الاستعمار البريطاني المقبور، وهي التي تتصدى لجميع المعاهدات والقوانين والاتفاقات الجديدة وتسقطها.
المعاهدة الجديدة هي شكل العلاقة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي سوف يفرضها المحتل على بلادنا، والمعاهدة لا علاقة لها بالتبريرات والشروحات الساذجة التي تطلقها الإدارة المحلية حول الخروج من البند السابع أو غيره كخطوة على طريق التقدم نحو السيادة والاستقلال، وإذا خرجت بلادنا من البند السابع بهذه الطريقة المطروحة، فإنها سوف تدخل من الباب الواسع لاستمرار و(شرعنة) الاحتلال العسكري المباشر لآماد غير معلومة، ومع ذلك فسوف لن نكون مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، لأنه لا تشابه أو علاقة بين التجربتين والظرفين إطلاقا، إلا من باب الإسقاط المجاني والاستسهال المقصود في المقاربة؟
أن عقد واستمرار هذه المعاهدات يرتبط بشروط وأحوال متغيرة كثيرة، منها أمريكية داخلية وعالمية بكل تفاصيلها المعقدة، ومنها التطورات الميدانية في بلادنا وشكل الصراع الدائر على أرضنا الوطنية والتي ستقرر مصير الاحتلال وزمنه وتركته وكل ما يتعلق به.
حالة الاحتلال في بلادنا واستمراره واتفاقاته وتفاصيلها الخطيرة الى جانب جولات المفاوضات الجارية على أرضنا الوطنية بين أمريكا وإيران، كلها دلائل قاطعة على ضعف وعزلة وفشل وثانوية الإدارة المحلية وجميع الأطراف الطائفية والقومية المشاركة فيها، وهي بذلك فاقدة للمصداقية والقدرة على إدارة الوضع الداخلي أو حل المشاكل الكثيرة المستعصية، والأمثلة كثيرة لا تحصى، وهي تحاصر الجميع، وتعبر عن مأزق حقيقي متفجر.
كارثة الاحتلال هائلة ومذهلة فاقت كل التقديرات، ومأزق الاحتلال موضوعي وثابت في ذاته ولا يمكن تجاوزه، ومشكلة الشعب المحتل لا حل لها من دون طرده وإنهاءه، واستمراره يمثل جريمة بكافة المقاييس وخطر مستمر على بلادنا أو ما تبقى منها، أما محاولة شرعنة الاحتلال الزائفة من قبل أطراف محلية فهي الجريمة (الوطنية) التي لا يمكن السكوت عنها أو نسيانها أو غفرانها تحت كل الظروف والاعتبارات، لأنها تجاوز وتهديد لكل القيم والمصالح الوطنية ومساهمة بائسة أخرى في تثبيت الاحتلال وإطالة عمره مقابل ثمن معلوم وصفقات مشينة.
أحمد الناصري
أحمد