الإمبريالية الرأسمالية: صراع البقاء والهيمنة!
مالك غيث
بعيدًا عن الصورة السائدة ـ القوة، والقيادة، والبطش، والهيمنة ـ الولايات المتحدة اليوم خائفة، مذعورة، متهورة، ومستنفرة.
لم تعد “أمريكا” اليوم هي ذاتها التي كانت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ القوة الأكبر، والقائد الأوحد والأعظم. وبما أن التاريخ لا يتوقف ولا ينتهي، بل يتحرك باستمرار إلى الأمام حاملًا تراكمات وتغيرات هائلة تفرض التحول التاريخي، فإن أمريكا اليوم تقف أمام عملاق صيني لا يمكن وقفه، وقوة روسية تتعاظم، وطموح جاد لدول كالهند والبرازيل، وتذمر وانزياح أوروبي. وكل هذا أدى إلى تآكل حصتها من الثروة العالمية، وبالتالي ضعف الهيمنة في نواحٍ كثيرة.
وبالتأكيد، هي تواجه غضبًا شعبيًا عالميًا، وأجيالًا تكشفت أمامها بوضوح الصورة الأساسية للدور الأمريكي “الصهيوني” في كل مشاكل ومآسي العالم، والذي تمثّل وتجلّى في غزة، وفي سقوط النظام العالمي، وصورة القانون الدولي.
المفارقة اليوم هي أن الولايات المتحدة، كزعيمة، وبما تمثله من منظومة رأسمالية إمبريالية وتفرعاتها وشركاتها العالمية، تعي تمامًا أزمتها، وتفهمها، وتعمل على إخمادها أو “توكيلها”. وتتلخص هذه الأزمة في: ضعف الهيمنة، نقص الموارد، تضخم اقتصادي مستمر، هروب رؤوس الأموال، وأزمة الديون الأمريكية في القمة، وتداعيات كل ذلك على الشارع الأمريكي، وحتى على وحدة الولايات.
وهذه المنظومة قامت على أساس استغلال شعوبها والبشرية بأكملها لصالح تراكم القوة والنفوذ والهيمنة، وتغريب البشرية عن ذاتها، والدائرة تستمر: (هيمنة، نفوذ، تمرد، حروب، هيمنة نفوذ).
ولعلاج أزمتها، تذهب الولايات المتحدة اليوم بالطريقة الترامبية الوقحة، الفجة، والمافيوية، للسيطرة على أراضٍ جديدة واستعمارها وسرقة ثرواتها، وبالضرورة القضاء على كل شكل منظّم يقف في وجه هذا التمدد الاستعماري الرأسمالي، أو يرفع بوضوح عناوين العدالة الحقيقية للبشرية، ويحقق عمليًا العيش الكريم لشعبه، وهو النقيض التام للرأسمالية. وأكبر مثال على ذلك ما يحصل في فنزويلا وكوبا ونموذجهما الاشتراكي، وإيران بنموذج الدولة المستقلة الداعمة لقوى التحرر. وبعد السابع من أكتوبر، بدأت أكبر عملية استعمارية متوحشة عبر التاريخ.
وتعمل الولايات المتحدة على ابتزاز القوى الرأسمالية المناوئة، مثل الصين (وهي العدو الاستراتيجي لها) وروسيا، من خلال فرض القوة والتهديد بالحروب وضرب محيطها الجيوسياسي، للوصول إلى تسويات معها في توزيع جديد لثروات العالم وأشكال استعباد جديدة.
إذًا، هي تملك برنامجها وأهدافها وأسلحتها لتحقيق استمراريتها وبقائها.
في المقابل، هناك عالم الجنوب؛ هذا العالم المُستغَل والمنهوب والخاضع بدوله وممالكه وأقطاره، ومن ضمنه منطقتنا، وهي الأهم في هذه المرحلة لما تحويه من ثروات هائلة مادية وبشرية، وممرات التجارة العالمية الاستراتيجية، وشعوب ترفض، ببداهة، هذه الهيمنة، وساخطة على وضعها الاقتصادي والمعيشي والأخلاقي. وقد تصاعد هذا السخط بوضوح مع صورة هذه القوة الإمبريالية بعد السابع من أكتوبر، ورسّخ دور حركات التحرر في مواجهة الاستعمار الصهيو-أمريكي ووكلائه “الشرعيين” في المنطقة، الذين تواطؤوا في الإمعان بالإجرام في غزة.
هذه الحالة الممتدة من سواحل أفريقيا على الأطلسي إلى أطراف آسيا على المحيط الهادئ، والجنوب الأمريكي، والتي مصيرها الحتمي هو المواجهة، لا يجمعها شيء سوى واقع الاستغلال وهذا المصير. وفي وجه هذا الاستعمار المستمر، الممنهج، والاستراتيجي المنظّم، لا تحمل وعيًا موحِّدًا وجمعيًا، ولا تحملها قيادة تاريخية تمتلك النظرية والهدف والاستراتيجية، كما كانت، بشكل أو بآخر، في مرحلة الصعود الناصري العروبي والشيوعي السوفييتي.
لدينا اليوم قوى تحرر مهمة، صحيح، ومقاومة صامدة، لا شك، لكنها تبقى ما دون الدولة، وفي إطار “ردع العدوان”، ومحاصَرة ومحارَبة داخليًا وخارجيًا، ومتباعدة جغرافيًا، بشكل يمنع الانتشار الأفقي لثورة ثقافية وفكرية تقلب الحالة السياسية المسيطرة.
إذًا، هناك فراغ وافتقار للشكل والمنهج المقابل، والقوة المنظمة الفاعلة القادرة على توحيد قوى هذه الشعوب، ودفعها للتحرر من الهيمنة الفكرية والدولة البوليسية، والتحرك بالتالي لتوحيد قوى وثروات ووعي هذا الجزء من العالم، ليكون المواجه والمكمّل لسقوط النظام الرأسمالي الإمبريالي وهيمنته.
وهنا تكمن المهمة التاريخية لكافة القوى اليسارية والوطنية في المنطقة، والمسؤولية أمام الأجيال القادمة؛ فهذا الصراع ينتهي بالضرورة إمّا بقضاء أحد الطرفين على الآخر، أو بالقضاء على البشرية والحضارة برمّتها.
2026-01-26