الأفكار الثورية لأنطونيو غرامشي!
ترجمه عن الانجليزية: أنس رحيمي
توفي أنطونيو غرامشي عام 1937، بعد أن أمضى ما يقرب من عشر سنوات في سجن نظام موسوليني الفاشستي. وبعد كل هذه السنوات، ما تزال أفكاره وإرثه موضع نقاش وإعادة تفسير. من هو غرامشي؟ لقد تم تقديم كل أنواع الإجابات الغريبة عن هذا السؤال، مع الكثير من التشويهات، إن لم نقل التزوير التاريخي الصريح، سواء من جانب الأكاديميين والمثقفين البرجوازيين الصغار، أو من جانب التحريفيين داخل الحركة العمالية.
«خلال حياة الثوريين العظماء لاحقتهم الطبقات المضطهِدة باستمرار، واستقبلت نظرياتهم بأشد أشكال الخبث وحشية، وبأشد أشكال الكره عنفا وبأبشع حملات الأكاذيب والافتراءات. لكن بعد وفاتهم جرت محاولات لتحويلهم إلى أيقونات، لتمجيدهم، إذا جاز القول، وتبجيل أسمائهم إلى حد ما من أجل تقديم “العزاء” للطبقات المضطهَدة وبهدف خداعها، مع العمل في نفس الوقت على إفراغ النظرية الثورية من مضمونها، وثلم نصلها الثوري وابتذالها» (ف إ لينين، الدولة والثورة).
لقد بُذلت العديد من المحاولات لتصوير غرامشي كأب مؤسس للأمة الإيطالية، مما سمح حتى للسياسيين البرجوازيين اليمينيين، مثل برلسكوني، بالمطالبة بإرثه. هذه هي القشة الأخيرة: فبعد أن تم تصويره كمنظر لسياسة الجبهات الشعبية، و”التوافق التاريخي”، والحركة الأوروشيوعية؛ ها هو يضاف الآن إلى مجموعة “الآباء المؤسسين للجمهورية”، وهي شخصيات “محايدة” يجب على الجميع أن يحترمها، بغض النظر عن المكان الذي تحتله داخل الطيف السياسي.
إنه من واجبنا، وواجب كل الشيوعيين، أن نقف بحزم ضد كل محاولات تشويه أفكار غرامشي، سواء جاءت من جانب الإصلاحية أو الاشتراكية الشوفينية.
النظام الجديد وانشقاق ليفورنو
أولا يجب القول إن غرامشي ومجموعة تورينو التي انتظمت حول جريدة النظام الجديد (L’Ordine Nuovo)، قد حملوا على كاهلهم إنجاز المهمة الهائلة المتمثلة في تطبيق الدروس العامة لثورة أكتوبر في السياق الإيطالي المحدد، ومثلوا الفئة الأكثر تقدما داخل الحركة العمالية الإيطالية.
لم يكتف أنصار “النظام الجديد” بالدفاع عن العمال خلال عمليات احتلال المصانع في عام 1920 وتنظيمهم، بل أصبحوا القادة النظريين الذين أوضحوا ضرورة سيطرة العمال على الصناعة. كان غرامشي يؤمن بأن لجان المصانع يجب أن تكون أجهزة لسلطة الطبقة العاملة في مجال الإنتاج، وكذلك نواة الديمقراطية العمالية في المجتمع الاشتراكي الجديد.
وخلال الثورة الإيطالية، 1919-2020، التي دخلت التاريخ باسم “السنتين الحمراوتين”، استخدم غرامشي صفحات جريدة النظام الجديد لحث الحزب الاشتراكي الإيطالي على تسليح البروليتاريا الصناعية والفلاحين ببرنامج ثوري يتركز حول شعار: “كل السلطة للجان المصانع!”.
لقد كانت هذه الأفكار بدون شك نتيجة للتجربة الملموسة لعمال تورينو، لكنه لا يمكننا أن نتجاهل تأثير البلاشفة والدور الذي لعبته السوفييتات في ثورة أكتوبر على كتابات غرامشي. ليس من قبيل الصدفة أن غرامشي كتب في “النظام الجديد”:
«لقد أثبت السوفييت أنه شكل خالد من أشكال المجتمع المنظم، بإمكانه التكيف مع مختلف الاحتياجات الدائمة والحيوية، سواء الاقتصادية أو السياسية، للغالبية العظمى من الجماهير الروسية».
ومثله مثل لينين كان عند غرامشي هدفان اثنان، خلال فترة 1919-1920، اعتبرهما، أساسيان للسيرورة الثورية. الهدف الأول هو تشكيل أجهزة الصراع الطبقي والديموقراطية العمالية التي يمكنها أن تنظم أوسع فئات العمال. والهدف الثاني هو بناء قيادة ثورية من شأنها أن تقطع مع كل الاتجاهات الإصلاحية والوسطية داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي والحركة العمالية الأوسع. كان الإصلاحيون، من أمثال توراتي، والوسطيون، من أمثال سيراتي ولازاري، يشكلون عقبة كأداء أمام الثورة: كان الأولون يرفضون ضرورة الثورة، بينما كان الأخيرون يدافعون عنها، لكنهم لا يساهمون في تنظيمها، فكانوا يعرقلونها في الواقع.
بدأ غرامشي نضاله الفصائلي داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي في نوفمبر 1920، عندما تم تشكيل الفصيل الشيوعي في إيمولا، بمبادرة من أميديو بورديغا. وفي يناير 1921، في مؤتمر ليفورنو، انشق هذا الفصيل الثوري وأسس الحزب الشيوعي الإيطالي. خلال مؤتمر ليفورنو التحق 58.873 من المناضلين الاشتراكيين وكل منظمة الشباب الاشتراكي بالشيوعيين، بينما دعم 98.023 الفصيل الوسطي وبقي 14.695 مع الإصلاحيين التوراتيين [نسبة إلى توراتي].
أيدت الأممية الشيوعية الانشقاق، وأعلنت لجنتها التنفيذية، التي أخدت بالاعتبار رفض سيراتي طرد الإصلاحيين التوراتيين من الحزب، أن الحزب الشيوعي الايطالي هو الفرع الوحيد للأممية الشيوعية في إيطاليا.
خلال المؤتمر الثالث للكومنترن [الأممية الشيوعية] (يونيو 1921)، أرسل الحزب الاشتراكي الايطالي وفدا مؤلفا من لازاري ومافي وريبولدي للتقدم بطلب الحصول على العضوية في الأممية الشيوعية. تم رفض الطلب، لكن قيادة الأممية اقترحت على الحزب الشيوعي الايطالي تطبيق تكتيك الجبهة الموحدة مع الحزب الاشتراكي الايطالي، بهدف كسب هؤلاء الاشتراكيين الذين يتعاطفون مع الاتحاد السوفياتي ويتطورون في اتجاه ثوري لكنهم لم يتوصلوا بعد إلى استنتاج ضرورة القطع مع حزب سيراتي.
في ذلك المؤتمر، رسم تروتسكي، في تقريره عن الوضع الاقتصادي العالمي، صورة انحسار الحركة الثورية وأكد ضرورة كسب الجماهير من خلال اقتراح جبهة موحدة للنضال من أجل تحقيق مطالب انتقالية ومكافحة الفاشية.
أدركت قيادة الأممية أن العمال خارج الحزب الشيوعي لا يمكنهم أن يفهموا أسباب الانشقاق، وأنه لن يكون كافيا أن يعلن التيار نفسه تيارا ثوريا لكي يكسبهم: لقد سبق لهم أن سمعوا بالفعل مثل هذا الخطاب من سيراتي، وبالتالي كان على الشيوعيين القيام بأعمال ملموسة من شأنها أن تظهر الطابع الثوري الحقيقي لحزبهم الجديد.
علاوة على ذلك كان العمال قد تعرضوا للتو لهزيمة تاريخية، بسبب خيانة قادة الكونفدرالية العامة للشغل (CGL) والحزب الاشتراكي للثورة الإيطالية. في ربيع عام 1921 كانت العصابات الفاشية نشيطة بالفعل في جميع أنحاء البلاد، وتقوم بإشعال النيران في مقرات الفروع النقابية والمنظمات الاشتراكية والشيوعية والصحف العمالية. كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن للشيوعيين بها أن يوقفوهم هي أن يقترحوا على العمال الاشتراكيين العمل كجبهة موحدة.
رفض بورديغا تكتيك الجبهة الموحدة وكان ضد أي “توافق” مع الاشتراكيين. وقد جادله تروتسكي قائلا:
«إن الاستعداد بالنسبة لنا يعني خلق ظروف من شأنها أن تضمن تعاطف الغالبية العظمى من الجماهير (…) أما فكرة استبدال إرادة الجماهير بقرارات من يسمون بالطليعة فيجب رفضها، كما أنها ليست فكرة ماركسية»، وأضاف: «لا يمكن تنفيذ الأعمال الثورية بدون الجماهير، لكن الجماهير لا تتكون من عناصر نقية تماما».
كان بورديغا هو القائد الأبرز للحزب الشيوعي في ذلك الوقت، وكانت مواقفه مهيمنة على الحزب الجديد ولم يكن غرامشي وحده من يشاركه إياها، بل كل قادة الحزب الشيوعي الآخرين.
وهكذا فقد عارض الحزب، على الرغم من إعلانه أنه يريد كسب الجماهير، تكتيك الجبهة الموحدة، مؤكدا على أن الطريقة الوحيدة لفضح خيانة الاشتراكيين هي رفض أي تعاون معهم. وأنهم في أقصى الحالات سيقبلون جبهة موحدة داخل النقابات، لكن ليس على الواجهة السياسية للصراع الطبقي.
بهذا الموقف ساهم الحزب الشيوعي في انتصار العصابات الفاشية. عندما تم إنشاء لجان “Arditi del Popolo” (وهي أجهزة للنضال ضد الفاشية)، بهدف مواجهة استعراضات الفاشيين في الشوارع، أثارت حماس العمال واجتذبت الكثير من الاشتراكيين والشيوعيين، إضافة إلى كامل فروع النقابات المحلية. لكن الموقف المشين لقيادة الحزب الشيوعي، ضدا على نصيحة الأممية الشيوعية، كان هو تهديد جميع أعضاء الحزب الشيوعي الذين انضموا إلى Arditi del Popolo بالطرد من الحزب.
كان بورديغا يتوهم بأنه يمكن للحزب أن يوقف تقدم الفاشية من خلال الاقتصار على قواته المنظمة وميليشياته. فكانت الهزيمة حتمية.
غرامشي والنضال ضد العصبوية
خلال الفترة الممتدة ما بين ماي 1922 وماي 1924، أُرسل غرامشي إلى الخارج (أولا إلى موسكو، ثم إلى فيينا) للمشاركة في الأجهزة التنفيذية للكومنترن. أتيحت له في تلك الفترة الفرصة لكي يعيد التفكير في بعض المواقف التي تبناها سابقا، ويعود الفضل في ذلك جزئيا إلى المناقشات الحادة التي أجراها مع قادة الكومنترن.
لقد اعتبر أن يناير 1921، تاريخ ميلاد الحزب الشيوعي، «اللحظة الأكثر أهمية، سواء بالنسبة للأزمة العامة للبرجوازية الإيطالية، أو لأزمة الحركة العمالية. ورغم أن الانشقاق كان ضروريا وحتميا من الناحية التاريخية، فإنه وجد أن الجماهير الواسعة غير مستعدة ومترددة».
وهكذا بدأ الجدالَ ضد بورديغا، منتقدا تصوره للحزب الذي كان يتسبب في انفصال واضح بشكل متزايد عن الجماهير.
وقد رفض توقيع نداء أطلقه بورديغا والذي هاجم فيه قيادة الأممية الشيوعية لمحاولتها توحيد الحزب الشيوعي الإيطالي مع الفصيل الأممي داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي (ما يسمى بـ “تيرزيني”). وكان نداء بورديغا مدعوما من طرف بالميرو توغلياتي.
في دجنبر 1923، طرح غرامشي فكرة تشكيل فصيل “وسطي” داخل الحزب الشيوعي الإيطالي، من شأنه أن يعارض كل من مواقف بورديغا العصبوية المتطرفة ومواقف أنخيلو تاسكا اليمينية. وقد بدأ النضال ضد فصيل بورديغا في مؤتمر كومو عام 1924 وتُوج في مؤتمر ليون عام 1926.
في ذلك المؤتمر، أكدت الموضوعات التي قدمها غرامشي، ووافق عليها أكثر من 90% من أعضاء الحزب، ما يلي:
-
يجب أن تكون الثورة الاشتراكية الإيطالية بقيادة الطبقة العاملة الصناعية والزراعية والفلاحون في البلد بأسره؛
-
تتولى الطبقة العاملة قيادة السيرورة الثورية، على رأس الجماهير الواسعة؛
-
إن تحويل المجتمع هو سيرورة تتطلب قطيعة ثورية مع النظام الحالي، أي انتفاضة جماهيرية من إعداد الحزب وتنظيمه؛
-
تعزى هزيمة العمال خلال فترة السنتين الحمراوتين إلى عدم وجود حزب ثوري؛
-
يجب على الحزب الشيوعي الايطالي كسب غالبية الطبقة العاملة من خلال النضال داخل المنظمات الجماهيرية من أجل المطالب والأهداف الفورية التي ستكون مفهومة للجماهير الواسعة. هذه هي الطريقة الوحيدة لإنضاج وعيها ودفعها للقطيعة مع المنظمات الإصلاحية.
