هناك خلل واضح في فهم الملك لطبيعة “توازن التهديد” وحدود التحالفات في نسيج علاقات القوى الإقليمية، او أنه يتعمد إطلاق التصريحات لإشغال الأردنيين، وفي أي من الحالين او باجتماعهما، فإن القوى الديمقراطية مطالبة بحماية شعبنا من ضيق أفق الملك ومن الآثار السلبية لتصريحاته.
إذ لم يعد ممكناً استمرار التعاطي مع معادلات القوى الإقليمية عبر الحركات البهلوانية، التي دفعنا ثمنها في أكثر من محطة، ربما أبرزها عام 2005 حين تطايرت الجثث في فنادق عمان، بعد أيام قليلة من إعلان الملك من وسط آسيا عن مبادرته لإنشاء تحالف إقليمي ضد الإرهاب، للتغطية على فساده والهدف الاستثماري لزيارته هناك، ورجعنا نقول: “يا عمي آسفين بالغلط مش قصدنا”.
فالقوى الإقليمية تتنافس ضمن سياق “تحسين الضمانات” المتبادلة بينها، دون أن تملك أي منها فرصة لتعديل خريطة علاقات القوى وتوازنها، او الخروج على قواعد التنافس بينها، التي تكرست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تدخل العامل الدولي ومنع (وما زال يمنع) التسييل الإستراتيجي للإقليم وانفتاحه على تحولات جيوسياسية، كما جرى في حرب الخليج الثانية.
فالتحولات التي لم تمر أثناء الحرب الباردة وبعيدها، لن تمر الآن، حيث انتهت وبشكل حاسم فرصة قلب موازين القوى في المنطقة وفرض قوة إقليمية مهيمنة. فأي تحول على أي جانب يستدعي وبالضرورة وبشكل فوري، استجابات لإبقاء الموازين في سياق ضبط التهديد وإدارته، وعدم السماح لأي قوة بالتمادي لتغيير الموازين على الأرض وفرض هيمنتها على الإقليم.
جميع القوى الإقليمية المؤثرة فشلت في التحول إلى مركز مهيمن يحظى بدول تدور بفلكه. فتحت غطاء “العمليات الاستباقية لإجهاض التهديد”، لم تستطع إسرائيل ان تحصل على مركزية إقليمية، بل إن رعونة استعمالها للقوة في غزة، قدم الغطاء لتزويد حماس بصواريخ مضادة للطائرات، كما أن السعودية وجدت نفسها بعد حربها في اليمن، وحصار قطر، وحشد جيشها على حدودها الشمالية الشرقية أمام خيار وحيد وهو التكيف مع حقيقة أنها لن تكون أكثر من دولة ذات نفوذ إقليمي يضمن الاعتراف بمصالحها (وعدم تهديدها). تدمير اليمن فتح الطريق لطهران، كما أن حصار قطر قدم الغطاء لتركيا لتصبح دولة خليجية في سياق حفظ التوازن الذي هددته السعودية، وتسوية الصراع الذي لا يمكن حسمه عسكرياً، في اليمن وعلى قطر، سيمنح الشرعية للوجود الإيراني والتركي في فضاء مجلس التعاون، وسوف يفتح ملف العلاقات السعودية البحرينية لتسويات قادمة.
ومن السذاجة في نسيج علاقات القوى الراهن ان يعتقد الملك بأن هناك قوة ستدفع له ما يريده من “الأموال والضمانات” إذا حول الأردن لخندق متقدم لها. هذا لن يتم ولن يتحقق، لأنه يخل بموازين الإقليم، ولن تغامر أي قوة إقليمية بتحمل مسؤولية الاستجابة لعروض الملك المغرية، التي تكشف سعيه الساذج لإيجاد قوة إقليمية تحمل عنه أعباء “إدامة الأردن”، ليتفرغ مع عائلته لنهب ما شاءوا واستطاعوا من الموارد الوطنية، تحت غطاء انه الوحيد الذي سيضمن مصالح الحليف الذي يحلم به.
لقد انتهى نموذج (الزعيم الضامن) في العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية يوم أربعة حزيران عام 2009، وهو يوم إعلان باراك أوباما مبدأه الإستراتيجي في القاهرة فاتحاً البوابة لتصفية ميراث تشرتشل وروزفلت في المنطقة، كما وتصفية نموذج العلاقات الدولية الذي أعطى سابقاً للعائلات والأحزاب مزايا استثنائية لضمان الاستقرار، معلناً فقدان نظرية جورترد بيل ولورنس صلتها بالترتيبات المحلية لمجتمعات ما بعد عصر التنمية.
ومع انتهاء عصر العائلات الضامنة للاستقرار المحلي والمعادلات الاجتماعية-السياسية الداخلية، انتهى عصر الحاكم الذي يحتكر إدارة العلاقة مع العالم (نيابة عن شعبه). فنظام الحكم وظيفة اجتماعية لتسهيل علاقة المواطنين فيما بينهم، ولتسهيل علاقتهم مع المجتمعات الأخرى عبر منظومات التعاون الدولي والإقليمي.
لن يعود متاحاً لأي قيادة تعجز عن التكيف ضمن القواعد و”الهوامش المتاحة” أن تحول عجزها إلى عبء على المعادلات الإقليمية. فبعد كل ما جرى في سوريا واليمن، فإن العالم -بما فيه الولايات المتحدة وروسيا – يتشارك الآن البحث عن معادلات مستدامة لاستقرارها، وهناك منظومات معقدة بدأت في العمل على هذا الصعيد، لحل الازمة عبر تسويات محلية (وبجراحة باستعمال مخدر موضعي) دونما حاجة لتوريط كل الإقليم.
المتاح للأردن، كان وما يزال، محدود بالدخول في “منظومات تعاون إقليمية” وليس “تحالفات إقليمية”. فوجود قوة أمريكية في الأردن هدفها ضمان عدم تسييله جيو-استراتيجياً، وضمان فاعلية منظومات “إدارة التهديدات” الإقليمية “بمشاركته أو بدونها”، تؤكد عدم استطاعته تغيير ميزان القوى الإقليمي أو الخروج منه، وتحدد فرصه ضمن الهوامش المتاحة.
إن نهاية عصر العائلات كضامن للعلاقات الدولية والإقليمية، يقدم فرصة تاريخية للقوى الديمقراطية الأردنية لتحقيق إزاحة لمركز ثقل علاقات الأردن الإقليمية والدولية من القصر إلى مؤسسات الدولة. وكل المطلوب، لمواجهة رعونة الملك تقديم نموذج وطني يحقق الاستقرار في علاقات الأردن الدولية والإقليمية، عبر بدء العمل (فكرياً على الأقل) على تحويل الاستقرار من منتج أمني (حسب رؤية الملك) إلى معادلة اجتماعية-اقتصادية-سياسية-امنية-ثقافية مستقرة، يمكن الارتكاز إليها لتامين استقرار مستدام، يمثل بديلاً للنموذج الحالي الذي يتطلب عشرات آلاف الجنود موزعين على أدوات امنية مختلفة التوصيف والمهمات، ويضمن حصر مهمة أجهزة وأدوات القوة في حماية وتأمين (ومنع تعطيل) معادلة الاستقرار الطبيعية المستدامة، وينهي إلحاق المؤسسة الدبلوماسية والأمنية بالقصر، ويعيد موضعتهما ضمن صيغة حكم ديمقراطية.
أخيراً، إن تطوير معادلة استقرار اجتماعية محلية والعمل على تفعيلها عبر صيغة نضالية تنتقل من الاحتجاج نحو “التحدي والمواجهة” هي المساهمة المنتظرة من القوى الديمقراطية لكسب الحاضر والدخول نحو مستقبل واعد، بغض النظر عن بهلوانيات الملك ودون التوقف عندها إلا لإثبات ضرورة التغيير وتوضيح تبعات العجز عن إدارته بشكل أخلاقي وعقلاني.
نهج ثابت ومستديم للملكة الاردنية الهاشمية عبر التاريخ من الاجداد الى الابناء والاحفاد وهو ثوب الخيانة والتامر والخنوع ضد كل ماهو وطني
النظام الاردني عميل وخائن من المهد الى اللحد
تعليق واحد
نهج ثابت ومستديم للملكة الاردنية الهاشمية عبر التاريخ من الاجداد الى الابناء والاحفاد وهو ثوب الخيانة والتامر والخنوع ضد كل ماهو وطني
النظام الاردني عميل وخائن من المهد الى اللحد