استقالة قضاة المحكمة الاتحادية في العراق: ناقوس الخطر الذي يدق في عمق الدولة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في خضم تعقيدات المشهد العراقي المثقل بالأزمات البنيوية، تطفو إلى السطح بين حين وآخر أحداث مفصلية تهدد ركائز الدولة الدستورية والقانونية، لعلّ أبرزها – وأكثرها خطورة في المرحلة الراهنة – هو ما شهدته البلاد من استقالة قضاة المحكمة الاتحادية العليا. هذا الحدث لا يُعد عارضًا أو شكليًا، بل يمثل تحولًا دراماتيكيًا يضع الدولة العراقية أمام اختبار وجودي حقيقي، إذ يطال أحد أعمدة الشرعية الدستورية: السلطة القضائية العليا.
أولًا: المحكمة الاتحادية… حجر الزاوية في البناء الدستوري
من الناحية القانونية، تمثل المحكمة الاتحادية العليا المؤسسة الأهم في المنظومة القضائية العراقية. فهي الجهة المختصة حصريًا بـ:
• تفسير أحكام الدستور،
• الرقابة على دستورية القوانين،
• الفصل في النزاعات بين الحكومة المركزية والأقاليم،
• المصادقة النهائية على نتائج الانتخابات،
• البتّ في الطعون الدستورية.
باختصار، هي الحارس الأول والأخير على نظام الحكم الديمقراطي الاتحادي الذي نص عليه الدستور العراقي لعام 2005. وأي فراغ في هذه المؤسسة يهدد مباشرة التوازن بين السلطات ويقوّض الشرعية القانونية للدولة.
ثانيًا: دلالات الاستقالة… احتجاج أم انهيار؟
لا يمكن قراءة استقالة قضاة المحكمة الاتحادية بمعزل عن الضغوط السياسية المتصاعدة والتجاذبات الحادة بين الكتل المتنفذة. فالمؤشرات الأولية تفيد بأن هذه الاستقالة ليست لأسباب صحية أو شخصية، بل أقرب إلى صرخة احتجاج مهنية صامتة ضد ما أصبح يعرف في الأوساط القضائية بـ”الهيمنة السياسية على قرارات المحكمة”.
وإذا ما صح هذا الاستنتاج، فإننا أمام لحظة مفصلية:
• إما أن يتم تصحيح المسار عبر حوار وطني شامل يضمن استقلال القضاء،
• أو أن تستمر القوى المتنفذة في الضغط، مما يؤدي إلى انهيار مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أساس أي نظام ديمقراطي.
ثالثًا: تداعيات الاستقالة… شلل مؤسسي وارتباك سياسي
تُنتج هذه الاستقالة فراغًا دستوريًا بالغ الخطورة، تظهر ملامحه في:
1. تعطيل مهام المحكمة: مثل المصادقة على نتائج الانتخابات، البتّ في شرعية الجلسات البرلمانية، أو حسم الطعون المقدمة في قوانين وإجراءات حكومية.
2. تعقيد العملية السياسية: في حال ظهور أزمات مثل التنافس على رئاسة الجمهورية أو الطعون في شرعية الحكومة، فإن غياب المحكمة يعني دخول البلاد في دوامة فراغ قانوني غير مسبوق.
3. ضياع الثقة العامة: المواطن العراقي البسيط لم يعد يجد في القضاء الاتحادي ملاذًا للعدل، ما يعزز الإحباط ويكرّس مشاعر انعدام الثقة بمؤسسات الدولة.
4. تشويه صورة العراق دوليًا: إذ تُفسر هذه الاستقالة على أنها علامة على تآكل استقلال القضاء، وانزلاق العراق في مسار الدول الفاشلة التي لا تستطيع حماية دستورها.
رابعًا: على من تقع المسؤولية؟
إن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: من المسؤول عن دفع قضاة المحكمة الاتحادية إلى الاستقالة؟
هل هي ضغوط القوى السياسية المتناحرة التي باتت تتعامل مع القضاء كأداة لتصفية الخصوم؟
أم هي البيئة التشريعية الهشة التي لم تضمن حماية فعالة للقضاة من التهديد والابتزاز؟
أم أن المنظومة القضائية نفسها باتت بحاجة إلى إصلاح هيكلي ومؤسسي شامل يعيد لها استقلالها ومصداقيتها؟
الجواب على الأرجح هو مزيج من كل ما ذُكر، ويضاف إليه غياب الرادع الأخلاقي في الساحة السياسية، حيث باتت المصلحة الحزبية والطائفية تتقدم على مصلحة الوطن، حتى لو كان الثمن هو انهيار أسس الدولة.
خامسًا: ما العمل؟
في مواجهة هذا التحدي، لا بد من:
• تشكيل لجنة وطنية عليا مستقلة لإصلاح السلطة القضائية، بمشاركة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني.
• تعديل القوانين الخاصة بالمحكمة الاتحادية بما يضمن استقلالها الكامل عن مجلس القضاء الأعلى والسلطة التنفيذية.
• ضمان الحصانة الكاملة للقضاة من الضغوط والتهديدات، وتوفير الحماية القانونية لهم.
• دعوة القوى السياسية إلى اتفاق ملزم باحترام القضاء وعدم التدخل في عمله.
⸻
خاتمة
إن استقالة قضاة المحكمة الاتحادية لا تعني مجرد مغادرة مواقع وظيفية، بل هي إنذار دستوري حاد يُنبّه إلى أن الركن الذي يُفترض أن يحكم النزاع بين الفرقاء السياسيين قد انهار أو أوشك. وما لم يُدق ناقوس الإنقاذ العاجل، فإن الدولة العراقية ستدخل طورًا جديدًا من الانحدار، قوامه فوضى سياسية وغياب دستوري واستباحة لسيادة القانون.
وما أشبه هذه اللحظة بما سبقها من محطات في التاريخ العراقي الحديث، حين تراجعت هيبة المؤسسات، فكان البديل سلطة الغلبة والخراب. فهل نتعلم من الدرس، أم نُعيد إنتاج المأساة؟
2025-06-28
