الجَوَّانية و البَرّانية علاقة اغتراب متبادل!
علجية عيش
الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية أعاد الحياة للمُثَقَّف المَيِّت المَقْبُور
(مجلة الثورة الإفريقية جمعت بين مفكرين مالك بن نبي و مهدي عامل )
الجَوَّانية و البَرّانيّة مصطلحان ابتكرهما المفكر اللبناني حسن عبد الله حمدان ولقبه الفكري “مهدي عامل”، و هو ماركسي الإتجاه، انضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني، و مهدي عامل عرفه الجزائريون عندما قدم إلى الجزائر و بالضبط إلى مدينة قسنطينة ( مسقط رأس مالك بن نبي ) عشية الإستقلال (1963) حيث اشتغل لمدة أربع سنوات في التعليم في دار المعلمين بوسط مدينة قسنطينة و كانت له مقالات نشرت في مجلة “الثورة الإفريقية” التي تصدر من الجزائر و باللغة الفرنسية ، أسّسها المناضل العالمي المحامي الفرنسي جاك فيرجيس ، و كان من خلالها يدافع عن القضية الجزائرية و هي المجلة التي كان مالك بن نبي ينشر فيها مقالاته، و لا يزال مقر فرعها بساحة place la بمقر المكتب الجهوي لجريدة صوت الأحرار، و لا ندري إن كان مالك بن نبي قد التقى بمهدي عامل أم لا ، و إن كانت لهما نقاشات حول الواقع العربي في بعه الحضاري…، بعد أن عاد مهدي عامل إلى مسقط رأسه بلبنان ، أصبح ينشر مقالاته في مجلة “الطريق” و كانت هذه المجلة توزع في مدينة قسنطينة بمحل يقع خلف مكتب جريدة صوت الأحرار، مازلت أذكر ، لون غلافها بالأزرق الفاتح، ثم توقفت عن التوزيع بغياب صاحب المحل.
يعالج مهدي عامل إشكالية الذات و الأخر أو كما يسميها هو (الشّرق و الغرب) و بين الذات و الأخر يوجد انفصام كامل بينهما، ففي مجتمعاتنا العربية يقول مهدي عامل توجد ثقافتان اثنتان: واحدة للشرق هي ثقافة الذات، و واحدة للغرب هي ثقافة الأخر، الأولى هي الثقافة التقليدية ، أي الأصالة دون الحداثة، و الثانية هي الثقافة الحديثة، و هذه الأخيرة لا تعترف بكل ما هو قديم، أي الحداثة دون الأصالة، الأولى هي من حظ الجماهير دون النخبة، و الثانية هي من حظ النخبة دون الجماهير ، و لا زواج بين الإثنتين بل طلاق مؤبد، لذا كانت الأولى للداخل و سمّاها “الجوّانية” و الثانية للخارج، و سمّاها ” البرّانية” ، و لا علاقة بين الإثنتين سوى علاقة اغتراب متبادل و المثقف العربي إثنان أيضا لا ثالث لهما، واحد هو المثقف التقليدي الذي يستحق وحده دون الأخر لقب “المثقف العربي”، لأنه يحمل ثقافة الذات الأصيلة، و واحد هو المثقف الحديث الذي لا يمكن أن ينطبق عليه لقب المثقف العربي، لأنه يحمل ثقافة الأخر، أي ثقافة الغرب، الأول مثقف الجماعة أو مثقف عضوي كما يقول الياس خوري إنه رجل الدين ( الشيخ) و الثاني مثقف بلا هوية لأن هويته من خارج ذاته فهو المستغربُ ( نقد الفكر اليومي ص 96-97 ).
أراد مهدي عامل أن يُعَرِّفَ من هو المثقف ؟ وما هو دوره في المجتمع؟ أستذكر حوارا نشر في جريدة لوموند طبع عددها في كتاب من الحجم الصغير ، عندما سأل صحفي أحد المفكرين من هو المثقف؟ فرد قائلا ، لم أتصادف يوما مع من تسأل عنه، أنا أعرف أن هذا طبيبٌ، و ذاك مهندسٌ، و الأخر موسيقيٌّ ( فنان) و أخر كاتبٌ، لكن المثقف لم أتصادف معه بعد، يدل هذا الكلام على أن الثقافة مفهوم معقد ، و قد اختلف المفكرون في إيجاد صيغة للتعريف بها بما فيهم المفكر مالك بن نبي، إلا أن مالك بن نبي كان يستخدم كلمة ثقافة في كل مجال يتطرق إليه في الفكر و في التربية و حتى في مجال الإقتصاد، فلم يترك كبيرة و لا صغيرة إلا و ربطها بالثقافة دون أن يميز بين الثقافتين الأصيلة و الحديثة و لا نجده يميز بين هذه و تلك فهو كان يتحدث عن الثقافة من خلال دورها في القضاء على “التخلف” مقدما شعوب العالم الثالث نموذجا و ظروف الإستعمار، و من خلال نظريته القابلية للإستعمار، عندما قال المشكل ليس في الإستعمار، بل في “القابلية ” ، أي الاستسلام و التبعية.
الكرسي العلمي مالك بن نبي ردٌّ على تساؤلات المثقف
يلاحظ أن العديد من المفكرين من خاضوا في مشكلة الثقافة و المثقف، و طرحوا أسئلة إن كانت العلمانية هي جسر نحو الحداثة، و أسئلة أخرى ضمن حوارات القرن العشرين، و حدث صراع بين الذات و الأخر، هذا الأخر (العالم الغربي) يصف كل الشعوب بالمتوحشة، و يدعوها إلى الامتثال لقوانين عصر الأنوار، و من هؤلاء غريغوار و منصور مرشو و سيد محمد صادق الحسيني، و أخرون ربطوها بالسلطة و منهم الدكتور خليل أحمد خليل و المفكر محمد أركون ، إلا أن هذا الأخير في أغلب أعماله وضع مخططا ثقافيا موسوما بالنقد الموضوعي لكل ما هو فكر إسلامي و غربي معا، فهو يرى أن هناك عقل منفتح و عقل منغلق بسبب التخلف الذي شهده العالم العربي و الإسلامي و بالأخص العالم الثالث.
و من هنا نجد مالك بن نبي يربط مشكلة الثقافة بـ: “التخلف” و يقول أن للتخلف جغرافيته ( بلدان باندونغ) و تاريخه ( المجتمعات البدائية و مجتمع ما بعد الموحدين و كذلك الإستعمار) ، و التخلف ينتج عن غياب الفعالية على مستوى مجتمع معين و أن مشكلة السلوك ترجع إلى الثقافة ، و قد أجاب مالك بن نبي على سؤال كيف يتم إعداد الثقافة؟، حين عاد إلى التجربتين الألمانية و الجزائرية ، و من هذا المنظور أصبحت المشكلة الثقافية هي الصراع أو التناقضات بين الحداثة و التقليد و المعاصرة و الأصالة، و ضمن هذا الصراع تعددت المواقف و الآراء و الأفكار و اختلطت التحليلات بين من ينكر على الثقافة العربية احتواءها و إقصائها و بين من يدعو تجاوزها و من يطالب بإحيائها و بين من يرفضها كقاعدة للتقدم.ن
لاحظ هنا أن مهدي عامل استخدم الفاظا لم يستخدمها من سبقه من المفكرين و من جاءوا بعده ، كما نراه في ” الجَوَّانية و البَرّانيّة”، هذه الأخيرة ( البرّانية) يراد بها الغريبة أو الدخيلة إن صح التعبير، و هي صفة تستحق التجاهل و النبذ و النفي المطلق للمثقف العربي و للفكر العربي و الإسلامي بصفة عامة، لعل ظهور إنشاء “الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية” جاء في وقته بعد التعتيم الكلي على فكر مالك بن نبي و جعله نسيا منسيا ، لولا مبادرة مجموعة من الطاقات الفكرية في الجزائر، التي اجتمعت لتناقش المنهج الحضاري للفكر البنّابي، لاسيما نظريته القابلية للإستعمار، و الرد على سؤال: لماذا استقالت الثقافة في الجزائر؟، بحيث لم يعد فيها الفكر يتجدد، كفكر مالك بن نبي الذي استثمر فيه الغرب، و همّشه العرب، خاصة بعد تجميد ملتقيات الفكر الإسلامي، لعل يكون لهذا الكرسي العلمي دور في استنهاض فكر مالك بن نبي و التنظير له.
فقد جاء هذا الكرسي ليباغت بعض المثقفين الذين تنكروا لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي ، الذي همّش و هو في مسقط رأسه ( قسنطينة) و لا أحد من نخبتها من يملك ذرة من “الغيرية ” ، فكّر في تنظيم ملتقى باسمه، ليعرّف الجيل الصاعد بأن مدينته و بلده أنجبت مفكرين شهد لهم العالم الغربي، لكنهم ظلوا مقبورين في حياتهم و بعد وفاتهم، و شهادة لله، أن الذين حضروا لقاءات الكرسي العلمي مالك بن نبي، باركوا هذا المشروع الفكري الحضاري، و هذه المبادرة الفكرية الإنسانية ، و كانت أمنيتهم أن يلقى هذا المشروع تجاوبا واسعا على كل المستويات ، شريطة أن لا ” يُسَيّسَ ” كي لا يتحول إلى مسرح للصراعات السياسية ، و يبقى محافظا على طابعه الفكري الحضاري و يكون صالحا لفهم المجتمع و تاريخه.
2025-06-28
