أيديولوجيا المقاومة وثبات العقيدة!
د. رقية بنت إسماعيل الظاهرية*
عِندما نتحدث عن الاغتيالات، يتبادر إلى الأذهان صورة القادة الَّذين تمَّ استهدافهم، ولكن ما يغفله الكثيرون هو أنَّ هذه الحركات ليست محصورة في شخصٍ واحد، رغم فداحة الخسائر الَّتي تُسبِّبها (الاغتيالات)، تظلُّ العقيدة الَّتي تحتضنها هذه الحركات تُسهم في توسيع قاعدة التَّأثير والقيادة. فكُلَّما سقطَ قائد يجد أنصاره في العقيدة والفِكر والهدف المشترك مصدرَ إلهامٍ ليقوموا باختيار قيادات جديدة تتمتَّع بِنَفْسِ الجَلَد والحماس. تتجلَّى قوَّة الحركات، الَّتي تنبثق من أيديولوجيَّات عقائديَّة مِثل حماس والجهاد وحزب الله، في القدرة على الصُّمود والتكيُّف في مواجهة التحدِّيات، لا سِيَّما تلك المرتبطة بالاغتيالات الَّتي تطولُ قياداتها. إذ تُمثِّل هذه الحركات أكثر من مجرَّد فصائل عسكريَّة أو سياسيَّة، فهي تُجسِّد رؤًى عميقة تُشبِع حاجةً جماهيريَّة إلى الهُوِيَّة والانتماء. فالفِكر العقائدي الَّذي تستند إِلَيْه قوى المقاوَمة آنفة الذِّكر وغيرها يوفِّر لها رصيدًا من الإيمان والمُثابرة، ممَّا يمنحها قوَّة دفعٍ لاستمرارِ النِّضال. رغم ما قد يُكتَب حَوْلَ نجاح عمليَّة اغتيال سيِّد المقاوَمة الأمين العامِّ لحزب الله حسن نصر الله، إلَّا أنَّ الأهمَّ يكمن في الأثَر الاستراتيجي الَّذي تُحدِثه هذه الاغتيالات على مسار التَّحوُّلات السِّياسيَّة والعسكريَّة لدَولة الاحتلال «الإسرائيلي». قد يُسفر اغتيال قامةٍ عربيَّة إسلاميَّة قياديَّة عن تغيُّرات استراتيجيَّة عميقة، أو قد يكُونُ مجرَّد حدَث تكتيكي عابر، وهذا يعتمد على أيديولوجيَّة التَّوَجُّهات السِّياسيَّة لهذه التيَّارات، والاستراتيجيَّات الَّتي يتبنَّاها العدوُّ «الإسرائيلي» من هذه التَّصفيات. فعلى سبيل المثال، من الاغتيالات المُعاصرة.. شهد العالَم اغتيال أصلان مسخادوف عام 2005 الزَّعيم الشيشاني الَّذي وقفَ في وَجْه الرُّوس آنذاك، وكان رمزًا للمقاوَمة ورفضِ الاستبداد، لكنَّ اغتيالَه لم يكُنْ مجرَّد فقدان شخصيَّة بارزة، بل كان تحوُّلًا حاسمًا في معادلة القوَّة، فقد تمكنت روسيا بعد ذلك من تثبيت زعيمٍ موالٍ لهَا ممَّا أفضى إلى تحوُّل الشيشان إلى حليفٍ يدعَم الجيش الرُّوسي، مُغيِّرًا بذلك وَجْه الصِّراع في المنطقة. وقد تكُونُ «إسرائيل» حقَّقت نوعًا ما استراتيجيَّاتها في هندسة اغتيالات الزُّعماء في إعادة تشكيل منظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة عَبْرَ عمليَّات اغتيال سياسيَّة ممنهجة؛ ممَّا أدَّى إلى إقصاء قياداتها التَّاريخيَّة واستبدالها بقيادات جديدة تتماشى مع متطلَّبات المرحلة. فبعد اغتيال ياسر عرفات، الَّذي يُعَدُّ علامةً فارقةً في النِّضال الفلسطيني، شهدتِ السُّلطة الفلسطينيَّة تحوُّلات جذريَّة أدَّت إلى سياسات جديدة تُساير المصالح «الإسرائيليَّة»، وتُعِيد صياغة العلاقات الفلسطينيَّة ـ «الإسرائيليَّة». لكنْ تظلُّ هذه المقارنة غير ذات جدوى في السِّياق الحالي، فدَولة الاحتلال «الإسرائيلي» رغمَ تصاعُد وتيرة الاغتيالات الَّتي تستهدف مسؤولي حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي، لن تتمكَّنَ من كسْرِ عُمق هذه الحركات.. فالوحدة العقائديَّة الَّتي تُشكِّل نواةَ وجودِها هي حصنٌ منيع، إذ تستندُ إلى فِكر خالدٍ وعقيدة عصيَّة على التَّفكيك، ممَّا يجعل من محاولات اجتثاثها ضربًا من المستحيل. تُعَدُّ الحركات العقائديَّة تحدِّيًا هائلًا لدولة الاحتلال «الإسرائيلي»، فمهما بدَتْ اغتيالات القادة كإنجازات تكتيكيَّة للعدوِّ، فإنَّ التَّاريخ يبرهنُ على أنَّ هذه التَّصفيات الجسديَّة لا تكسر عزْمَها، بل تشحذُ روحَها النِّضاليَّة وتُفرزُ قادةً جُددًا أكثر صلابةً وإصرارًا. فهذه الحركات لا تتهاوى أمام الضَّربات، بل تُعِيدُ تنظيمَ صفوفِها وتختارُ قادةً أشدَّ بأسًا لإكمالِ المَسيرة. إنَّها ليسَتْ مجرَّد تنظيمات عابرة، بل أشْبَه بنهرٍ جارٍ يتدفَّق بلا توقُّف، يُغذِّي جذور الهُوِيَّة العميقة، ويُرسِّخ الانتماء في نفوس شعوبها، لتبقَى صامدةً أمام أيِّ تحدٍّ أو عدوان. وهذا ما يُثبتُه التَّاريخ في اغتيال عباس موسوي الأمين العامِّ السَّابق لحزب الله عام 1992، وتوَلِّي بعده السَّيد حسن نصر الله الَّذي كان نقطة تحوُّل في الحزب وفي الفِكر السِّياسي لِيحوِّلَهم من جماعات إلى قوَّة إقليميَّة، وربطَ بقاء سلاح الحزب ببقاء التَّهديد «الإسرائيلي»، وزاوجَ بَيْنَ وجود مقاوَمة شَعبيَّة وجيش وطني. كما تُشكِّل حركة حماس واحدة من العقبات الرَّئيسة في الرُّؤية الأمنيَّة «الإسرائيليَّة»، لذلك يتصاعد معدَّل الاغتيالات في صفوف قيادتها دُونَ حدوثِ أيِّ تحوُّلات استراتيجيَّة أو اختلافات تؤدِّي إلى ظهور تيَّارات داخليَّة تستجيب وتؤيِّد العلاقة مع دَولة الاحتلال، حيث بدأت الاغتيالات بالقائد المؤسِّس الشَّيخ أحمد ياسين إلى رئيس مكتبها السِّياسي إسماعيل هنيَّة ونائبه صالح العاروري، وعدد كبير من الزُّعماء، وانتهى الأمْرُ مؤخرًا بتعيين شخصيَّة قياديَّة فذَّة، يحيى السنوار، الَّذي يجمع بَيْنَ فِطنة السِّياسة وبأسِ الميدان. ورغمَ سنوات الأسْرِ، أبَى أن يتنازلَ عن قضيَّته، لِيخرجَ أكثر عزمًا على مواصلة الكفاح. قد تُثمر سياسة الاغتيالات في القضاء على تهديدات آنيَّة ومباشرة، لكنَّها تبقَى عاجزةً عن تقديم حلٍّ دائمٍ لمعضلةِ الأمنِ «الإسرائيلي» الَّتي لا تنتهي، يعُودُ ذلك إلى أنَّ هذه التَّصفيات تستهدف حركات متجذِّرة في أيديولوجيَّات عقائديَّة عميقة، حيث تُشكِّل وحدة العقيدة مصدر الصَّلابة الَّذي يُميِّزها عن سواها. فهي تحتضن فكرًا لا يموت، وتعتنق عقيدةً يَصعبُ تفكيكها. ولا يَعدُّ مقاتلو هذه الحركات الموتَ في المعركةِ خسارةً، بل يَعدُّونه أسْمَى درَجات الفخر والانتصار الرُّوحي. فالنَّصر بالنِّسبة لَهُم لا يتحقَّق فقط في الحياة، بل في الاستشهاد الَّذي يرَوْنه بوَّابةً إلى النَّصر الأبدي في الآخرة. والَّذي يتسلَّح بالموروث الثقافي والدِّيني، لا يُمكِن أن يتأثَّرَ بشكلٍ كبير بفقدانِ القادة، بل إنَّ تلك الاغتيالات قد تؤدِّي إلى تعزيز الرُّوح القتاليَّة والانتماء، ممَّا يُشجِّع الأعضاء على الاستمرار في الكفاح. وفي هذا السِّياق يتَّضح أنَّ القتلَ المستهدفَ للقادةِ لن يحلَّ مأزقَ الأمن «الإسرائيلي».. فالعقائد الَّتي يتبنَّاها كُلٌّ من حماس وحزب الله والجهاد وغيرها من فصائل المقاوَّمة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتدُّ لِتشملَ شعوبًا وجماعات تتبنَّى هذه الأفكار. وعَلَيْه، يبقَى وجود هذه الحركات وتطوُّرها راسخًا مهما كانتِ التَّحدِّيات.
ختامًا، تبقَى قوَّة الوحدة العقائديَّة الَّتي تجمع هذه الحركات كالجذور العميقة، يَصعبُ اقتلاعُها، وتنمو مع كُلِّ تحدٍّ جديد غير متأثِّرة بالاغتيالات، بل مُتجدِّدة بمرور الزَّمن، ممَّا يجعلها قوَّة لا يُستهان بها في معادلة الصِّراع الإقليمي.
طبيبة وكاتبة عمانية
2024-10-07