ألطوفان الاسود !
أحمد حسين
إقتصرت رايس في إعلانها الإستباقي حول أهداف زيارتها ” للشرق الأوسط ” على موضوع السلام الفلسطيني الإسرائيلي ، والتصدي للمتطرفين في المنطقة . وهو خطاب مغشوش يتجاوز قدرة الكثيرين من الأغبياء والمغفلين على تصديقه . فالموضوعان اللذان طرحتهما للتصديق الشعبي العربي يدل على أن هذه السيدة ( مع الإعتذار لأية سيدة حقيقية ) مصرة على منهج العربدة السياسية مع العرب واحتقار عقليتهم . قضية الفلسطينيين ومحاربة التطرف تستطيع أن تتفاوض بشأنهما مع أي قرد تشاء ، ولكنها لا تستطيع ذلك مع ” المعتدلين العرب ” على وجه الخصوص الذين التزموا منذ اللحظة الأولى بالحصار التجويعي على الشعب الفلسطيني ، وسبقوا أمريكا وإسرائيل في إدانة المقاومة اللبنانية . هؤلاء المعتدلون ملتزمون بأمريكا بمدى ما هم ملتزمون بمصيرهم لأنهما أمر واحد ، يتصرفون بناء على التعليمات وليس على المشاورات . والشعوب العربية تعرف ذلك ، وتعرف أن سيدة بمنزلة رايس لا تأتي إلى شخص بمنزلة مبارك أو ملك السعودية أو الأردن لمجرد نقل التعليمات . عادة ما يقوم بذلك موظفون عاديون في وزارة الخارجية الأمريكية . أما رايس فلا تأتي إلا لمناقشة دور المعتدلين في فصول المذبحة العربية القادمة . وبالنسبة للموضوعين اللذين ذكرتهما في كذبتها الإستباقية فلا مكان لبحثهما من جديد ، فلا هي مستعدة او قادرة على التراجع بشأن الفلسطينيين ولا ” المعتدلون العرب ” يوافقون على هذا التراجع إلا غصبا . أما بالنسبة لمكافحة التطرف في المنطقة ، ولبنان على وجه الخصوص ، فأي دور تريد للمعتدلين أن يقوموا به أكثر مما فعلوا عند بداية العدوان الإسرائيلي حتى تأتي لمناقشتهم الآن ؟ لم يبق سوى إرسال الجيوش المصرية والأردنية والخليجية للمشاركة في تدمير أي بلد عربي وذبح المقاومة والتدخل العسكري في العراق تحت إمرة الجامعة العربية وفتح باب المواجهة مع إيران .
إذن لا يمكن منطقيا قبول ما صرحت به رايس بشأن زيارتها للمنطقة العربية ( وليس الشرق الأوسط كما تقول ) . ولا بد أنها تحمل في جعبتها تعليمات على درجة من الخطورة لا تستطيع المغامرة بتحميلها حتى لبولتون . والتوقع المنطقي يقول بأن ما تعمدت تجاهله رايس هو ما جاءت من أجله . وما تجاهلته هو ملف السودان وملف إيران الذري تحديدا . وسيتقاطع هذان الملفان حتما مع ملف التطرف ويشكل الثلاثة معا معركة الغرب وإسرائيل والمعتدلين العرب الإستراتيجية والحاسمة في المنطقة العربية . ولعل إجراءات تسليم المهام القيادية إلى حلف الأطلسي في أفغانستان ، وانتظار قيام المعتدلين العرب بمهام عسكرية ومخابراتية محددة في العراق ضد المقاومة العراقية ، أو تسليمهم الملف العراقي برمته وخلق مواجهة مع إيران ، هما من المؤشرات على أن الغرب الإمبريالي مقدم على خوض آخر حرب له في المنطقة . ربما ستكون المعركة متزامنة في كل المواقع المستهدفة ، وهو الأغلب بسبب تفعيل التحالف الأطلسي ، ولكنها أيضا ربما تتواصل سياقيا . وستتحدث رايس في القاهرة عن توزيع الأدوار فقط ولن تتحدث عن أي شيء آخر .
في الوقت الذي يجري فيه الإعداد غربيا لمعركة المصير في الشرق الأوسط ، تبدو كوندليسا رايس من خلال تصريحها المغشوش ، وكأنها على يقين أن الساحة العربية لم تتأثر جوهريا ، لا بنتائج الحرب اللبنانية وانتصار المقاومة ، ولا بالموقف الأمريكي والغربي الهمجي من الشعب اللبناني ، ولا بخسة موقف المعتدلين العرب كما تسميهم صاحبة القداسة “ماما ” رايس. وقد تكون على حق . إذ لم تقم في أي بلد عربي مظاهرة شعارات صغيرة ضد تدنيسها الأرض العربية بحضورها . وتيار الإعتدال الفلسطيني يحقق المكاسب على حساب حماس . والشعب الفلسطيني أكثر الشعوب العربية تمرسا بالثورة والنضال ، يطالب حماس بدفع الرواتب كاملة ، وكأن حماس بوسعها ذلك ، ويقف تحت ستار هذه الحجة ضد حماس ومع إسرائيل وعباس وأثرياء النضال وتجار الجملة الذين سرقوا كل أمواله حتى الفلس الأخير ، بدل أن يقذف بمهزلة الدولة والرئاسة ومنظمة التحرير إلى مجمع النفايات ويذهب ليجاهد في العراق أو لبنان أو السودان حيث المقاومة الحقيقية . أما الشعب الأردني فيعيش في كنف تفاهم النظام والإخوان المسلمين تحت الإحتلال الإسرائيلي بتسليم تام . والشعب السوري ، رغم طول العهد ، ما زال يمارس إستراتيجيته القومية المستطيلة التي استحلت غزو العراق والمشاركة فيه . وفي لبنان معقل المقاومة الأسطوري ظل صدر الشعب اللبناني يتسع لأمثال السنيورة وجعجع وجنبلاط وسعد الحريري الذين يعدونه بتحويل لبنان إلى كباريه مستقل في الشرق الأوسط الجديد . على هذا الأساس تواصل رايس احتقارها للعرب حتى وهي تنظر إلى وجهها في المرآة .
لقد عدلت أمريكا مخططاتها التآمرية بعد حرب لبنان ولم تعدل توجهاتها السياسية كما يقول ليبراليوها المعتمدون في الصحف والفضائيات ومواقع الإنترنت . وإذا كانت رايس أو بوش أو بولتون قد تنازلوا مؤقتا عن البصق الكلامي العلني في وجوه المعتدلين العرب فليس هذا دليلا كافيا على أي شيء ، سوي التعبئة المعنوية قبل المعركة . هذه التعبئة التي لا نرى لها وجودا مقابلا على الساحة الشعبية العربية التي تحاك كل المؤامرات ضدها . ولعل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر الشعبي العربي ومؤتمر النقابات العربي والمؤتمر النسائي العربي ومؤتمر الفنانين العرب ومؤتمر الأقلاميين العرب ، لم يكن لديها الوقت لاتخاذ إجراءات اعتراضية متواضعة على زيارة كوندليسا رايس التي تتمتع بأكبر رصيد من الإهانات الموجهة للعرب بما فيهم الأطفال الموتى .
لم يعد العمى أو الصمم أو التخلف العقلي يبرر الجهل بما تريده أمريكا من العرب . فإذا كانت رايس تأتي الى القرى الزانية للتآمر على الشعوب العربية ، فأين هي تللك الشعوب ؟ ألا يمكنها أن تتصدى حتى لزيارة رايس ؟
ألطوفان الأسود قادم قريبا . وسوف يبتلع الجميع بما فيهم المعتدلين العرب . ألوحيد الذي يمكن أن ينجو من الموت هو المقاومة . فلماذا لا يريد أحد استغلال هذا الممكن الوحيد للحياة ؟ إن الموت فيما عدا ذلك محقق !
2006
2024-10-08